ما هي الطاقة المظلمة؟ شرح مبسط لدورها في تسارع تمدد الكون، والفرق بينها وبين المادة المظلمة، وما تكشفه أحدث نتائج DESI عنها.
نعرف أن الكون يتمدد، لكن المفاجأة الكبرى التي ظهرت في نهاية القرن العشرين كانت أن هذا التمدد لا يتباطأ تحت تأثير الجاذبية كما توقع كثير من العلماء، بل يتسارع. ومن هنا ظهر واحد من أكثر الأسماء غموضًا في الفيزياء الحديثة: الطاقة المظلمة.
الاسم قد يوحي بأن العلماء اكتشفوا نوعًا جديدًا من الطاقة وحددوا طبيعته، لكن الحقيقة أكثر تواضعًا وإثارة في الوقت نفسه. «الطاقة المظلمة» هي الاسم الذي نطلقه على الشيء المجهول الذي يبدو أنه مسؤول عن تسارع تمدد الكون. نحن نرى أثره في حركة الكون على المقاييس الكبرى، لكننا لا نعرف حتى الآن ما هو فيزيائيًا.
![]() |
| ترتبط الطاقة المظلمة بتسارع تمدد الكون على أكبر المقاييس. |
ما هي الطاقة المظلمة؟
الطاقة المظلمة هي وصف لمكوّن أو ظاهرة مجهولة يستخدمها علماء الكونيات لتفسير حقيقة رصدية أساسية: تمدد الكون يتسارع مع مرور الزمن.
وفق أفضل النماذج الكونية الحالية، تشكل الطاقة المظلمة نحو ثلثي محتوى الكون من حيث كثافة الكتلة والطاقة، بينما تشكل المادة المظلمة قرابة الربع، ولا تمثل المادة العادية التي تصنع النجوم والكواكب والبشر إلا نسبة صغيرة من الإجمالي.
لكن كلمة «طاقة» هنا لا تعني بالضرورة أن العلماء وجدوا مادة يمكن جمعها أو تخزينها، كما أن وصفها أحيانًا بأنها «قوة تدفع المجرات بعيدًا» تبسيط شديد. الأدق أن نقول إن وجود مكوّن بهذه الخصائص داخل معادلات الكون يجعل تمدد الفضاء نفسه يتسارع.
كيف عرف العلماء أن تمدد الكون يتسارع؟
كان العلماء يعرفون منذ عشرينيات القرن العشرين أن الكون يتمدد. ومع وجود المادة والجاذبية، كان التوقع الطبيعي أن هذا التمدد يجب أن يتباطأ تدريجيًا؛ فالجاذبية تسحب المادة نحو المادة.
في التسعينيات حاول فريقان مستقلان قياس هذا التباطؤ باستخدام انفجارات نجمية تسمى المستعرات العظمى من النوع Ia. هذه الانفجارات مفيدة لأنها تمتلك خصائص تسمح باستخدامها لقياس المسافات الكونية.
لكن النتائج جاءت في الاتجاه المعاكس. المستعرات البعيدة بدت أبعد مما كان متوقعًا في كون يتباطأ تمدده، وهو ما قاد الباحثين إلى استنتاج أن التمدد الكوني أصبح أسرع مع الزمن.
ومنذ ذلك الحين جاءت أدلة إضافية من إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وتوزيع المجرات والبنية واسعة النطاق للكون، وتقنيات أخرى، لتجعل التسارع الكوني جزءًا أساسيًا من النموذج الحديث للكون.
ما الفرق بين الطاقة المظلمة والمادة المظلمة؟
تشابه الاسمين يسبب التباسًا مستمرًا، لكننا نتحدث عن مشكلتين مختلفتين تمامًا.
المادة المظلمة تتصرف من حيث الجاذبية مثل المادة: تساعد على جذب الأشياء إلى بعضها وتلعب دورًا مهمًا في تكوين المجرات والعناقيد والبنية الكونية. لا نراها مباشرة لأنها لا تتفاعل مع الضوء بالطريقة المعتادة، لكننا نستدل عليها من آثارها الجاذبية.
أما الطاقة المظلمة فترتبط بتسارع تمدد الكون على أكبر المقاييس. أثرها الكوني، بصورة مبسطة، يعمل في الاتجاه المعاكس لتأثير الجاذبية الذي يحاول إبطاء التمدد.
لذلك لا ينبغي تخيل المادة المظلمة والطاقة المظلمة باعتبارهما نسختين من مادة غامضة واحدة. الاسم المشترك جاء أساسًا من جهلنا بطبيعتهما.
ولشرح الجانب الآخر من الصورة بتفصيل أكبر يمكن قراءة ما هي المادة المظلمة؟.
هل الطاقة المظلمة قوة مضادة للجاذبية؟
هذه العبارة مفيدة للتبسيط لكنها ليست دقيقة تمامًا. في النسبية العامة لا نتعامل مع الطاقة المظلمة بالضرورة كقوة مستقلة تشبه الكهرباء أو المغناطيسية وتدفع المجرات بيد خفية.
الطريقة التي تتوزع بها المادة والطاقة تؤثر في هندسة الزمكان وفي طريقة تمدد الكون. وإذا كان هناك مكوّن يملك ضغطًا سلبيًا بالخصائص المناسبة، فإنه يستطيع أن يؤدي إلى تمدد متسارع.
لذلك يمكن وصف أثر الطاقة المظلمة بأنه يعاكس الميل العام للجاذبية إلى إبطاء التوسع، لكن هذا لا يثبت أن هناك «قوة خامسة» منفصلة اكتشفها العلماء.
الثابت الكوني: أبسط تفسير للطاقة المظلمة
أبسط نموذج مستخدم حاليًا هو الثابت الكوني، ويُرمز إليه بالحرف اليوناني Λ. فكرته أن الفضاء نفسه يمتلك كثافة طاقة ثابتة لا تتغير مع تمدد الكون.
هذا المكوّن يدخل في النموذج الكوني القياسي المعروف باسم ΛCDM: الرمز Λ يمثل الثابت الكوني، وCDM تشير إلى المادة المظلمة الباردة.
اللافت أن ألبرت أينشتاين أدخل الثابت الكوني إلى معادلات النسبية العامة في سياق مختلف قبل اكتشاف تمدد الكون، ثم تراجع عنه لاحقًا. ومع اكتشاف التسارع الكوني عاد المصطلح ليصبح أحد أهم الاحتمالات المطروحة.
المشكلة أن النموذج يصف المشاهدات بصورة جيدة، لكنه لا يقدم إجابة مرضية عن السؤال الأعمق: لماذا يجب أن يمتلك الفراغ هذه الكمية الصغيرة جدًا من الطاقة تحديدًا؟
هل الطاقة المظلمة هي طاقة الفراغ؟
هذه إحدى أشهر الفرضيات. في فيزياء الكم لا يكون «الفراغ» خاليًا تمامًا بالمعنى الكلاسيكي، ولذلك يبدو من الطبيعي أن نتساءل إن كانت طاقة الفراغ الكمية هي ما نراه كطاقة مظلمة.
لكن هنا تظهر واحدة من أكبر المشكلات النظرية في الفيزياء. التقديرات البسيطة المستمدة من نظرية الحقول الكمية يمكن أن تعطي قيمة لطاقة الفراغ مختلفة بصورة هائلة عن القيمة التي تشير إليها المشاهدات الكونية.
لهذا فإن قول «الطاقة المظلمة هي طاقة الفراغ» ليس حقيقة مثبتة. الثابت الكوني وطاقة الفراغ من أهم الاحتمالات، لكن الفجوة بين النظرية والرصد ما زالت واحدة من أكبر ألغاز الفيزياء الأساسية.
هل يمكن أن تتغير الطاقة المظلمة مع الزمن؟
إذا كان الثابت الكوني هو التفسير الصحيح، فإن كثافة الطاقة المظلمة تبقى ثابتة مع الزمن. لكن هناك نماذج أخرى تقترح أن ما نسميه الطاقة المظلمة قد يكون مجالًا ديناميكيًا يتغير أثناء تطور الكون.
أحد الأسماء المستخدمة لهذه الفكرة هو Quintessence، وهو نموذج افتراضي لمجال كوني تختلف خصائصه عن الثابت الكوني. وحتى الآن لم يُثبت وجود مثل هذا المجال.
وهنا أصبحت نتائج مشروع DESI خلال السنوات الأخيرة شديدة الأهمية.
ماذا اكتشف DESI عن الطاقة المظلمة؟
مشروع Dark Energy Spectroscopic Instrument أو DESI يرسم واحدة من أكبر الخرائط ثلاثية الأبعاد للكون اعتمادًا على ملايين المجرات والكوازارات. ومن أهم الأدوات التي يستخدمها قياس ما يعرف بالتذبذبات الصوتية الباريونية، وهي بصمة تركها الكون المبكر في توزيع المادة ويمكن استخدامها لتتبع تاريخ تمدده.
في نتائج منشورة عام 2025، أظهرت بيانات السنوات الثلاث الأولى من DESI — عند دمجها مع قياسات أخرى مثل إشعاع الخلفية الكونية والمستعرات العظمى والعدسات الجاذبية الضعيفة — تلميحات أقوى من السابق إلى احتمال أن تأثير الطاقة المظلمة يتغير مع الزمن.
لكن كلمة «تلميحات» هنا ضرورية. بيانات DESI وحدها كانت متوافقة مع نموذج ΛCDM القياسي، ولم تكن النتائج إعلانًا عن سقوط الثابت الكوني أو اكتشاف نوع جديد من الطاقة.
وفي يوليو 2026 ظهرت نتيجة أحدث من تحليل غابة لايمان-ألفا في بيانات DESI. القياس الجديد أصبح أكثر دقة وتحركت قيمته المركزية في اتجاه النموذج القياسي ΛCDM، وهي نتيجة قال الفريق إنها قد تعني أن تلميحات الطاقة المظلمة المتغيرة ستضعف مع مزيد من البيانات، أو أن الصورة الكاملة أكثر تعقيدًا من النموذجين البسيطين.
لذلك، حتى سبتمبر 2026، لا توجد نتيجة نهائية تثبت أن الطاقة المظلمة تتغير مع الزمن. الصورة الحالية أكثر إثارة من اليقين: هناك توتر يستحق التحقيق، وهناك أيضًا بيانات حديثة تمنع القفز إلى استنتاج مبكر.
كيف يقيس العلماء شيئًا لا يستطيعون رؤيته؟
العلماء لا يلتقطون صورة للطاقة المظلمة نفسها. ما يفعلونه هو قياس تاريخ تمدد الكون وتطور البنية الكونية بدقة، ثم اختبار أي نموذج يستطيع تفسير هذه المشاهدات.
المستعرات العظمى من النوع Ia تسمح بقياس العلاقة بين المسافة والانزياح الأحمر. والتذبذبات الصوتية الباريونية تعمل كـ«مسطرة كونية» تركت بصمتها في توزيع المجرات. كما تقدم الخلفية الكونية الميكروية معلومات شديدة الدقة عن حالة الكون المبكر، بينما تكشف العدسات الجاذبية وتجمعات المجرات كيف نمت البنية مع الزمن.
حين تُجمع هذه القياسات معًا، يصبح من الممكن اختبار كمية المادة الموجودة في الكون، وكيف تغير معدل تمدده، وما إذا كان نموذج الثابت الكوني يفسر البيانات كلها بصورة متماسكة.
وإذا أردت رؤية كيف يحول العلماء الضوء والانزياح الأحمر إلى قياسات للمسافات الهائلة، فإن الدليل المبسط لفهم الكون يقدم السياق الأوسع لهذه الأدوات والمفاهيم.
هل الطاقة المظلمة موجودة داخل المجرات والأجسام؟
إذا كان الثابت الكوني هو الوصف الصحيح، فإن تأثيره مرتبط بالفضاء نفسه، لكننا لا نلاحظ تأثير الطاقة المظلمة في حياتنا اليومية أو داخل النظام الشمسي بالطريقة التي نلاحظ بها الجاذبية.
السبب أن الجاذبية المحلية للأجرام والمادة أقوى بكثير على هذه المقاييس. الأرض لا تتمدد، والنظام الشمسي لا يتمزق بسبب تمدد الكون، والمجرة نفسها تظل مرتبطة جاذبيًا.
يصبح تأثير الطاقة المظلمة مهمًا على المقاييس الكونية الهائلة، حيث نتحدث عن تطور الكون ككل والمسافات بين التجمعات البعيدة التي لا تربطها الجاذبية محليًا في نظام واحد.
هل الطاقة المظلمة تجعل المجرات أسرع من الضوء؟
يمكن للمسافات بين مناطق شديدة البعد في الكون أن تزداد بمعدل يتجاوز سرعة الضوء، لكن هذا لا يعني أن مجرة تتحرك محليًا عبر الفضاء أسرع من الضوء.
النسبية الخاصة تمنع الأجسام ذات الكتلة من التحرك عبر الفضاء محليًا بسرعة تتجاوز سرعة الضوء. أما في علم الكونيات فنحن نتحدث عن تمدد الفضاء نفسه، وهو مفهوم مختلف.
هذه النقطة تفسر لماذا قد تصبح بعض المناطق البعيدة من الكون خارج قدرتنا المستقبلية على التواصل معها، رغم أنها لم تكسر قوانين النسبية بحركة محلية أسرع من الضوء.
هل يمكن أن تكون نظرية الجاذبية نفسها ناقصة؟
نعم، وهذا أحد الاحتمالات التي يناقشها الفيزيائيون. ربما لا توجد «مادة» اسمها الطاقة المظلمة أصلًا، وربما تحتاج قوانين الجاذبية إلى تعديل عندما نطبقها على مقاييس كونية هائلة.
النسبية العامة اجتازت اختبارات شديدة الدقة، لكن اختبار الجاذبية عبر مليارات السنين الضوئية أصعب بكثير من اختبارها داخل النظام الشمسي. ولهذا يحاول علماء الكونيات تصميم نماذج معدلة للجاذبية ثم مقارنتها بالمشاهدات.
حتى الآن لا يوجد بديل حسم القضية أو أزاح ΛCDM باعتباره النموذج القياسي الأكثر نجاحًا في وصف مجموعة واسعة من البيانات.
ماذا ستفعل الطاقة المظلمة بمستقبل الكون؟
الإجابة تعتمد على طبيعتها. إذا كانت الطاقة المظلمة ثابتًا كونيًا حقيقيًا لا يتغير، فمن المتوقع أن يستمر تمدد الكون في التسارع. ومع مرور زمن هائل ستصبح المجرات البعيدة أكثر ابتعادًا، وسيصبح الجزء المرئي والمتاح من الكون أكثر عزلة.
أما إذا كانت الطاقة المظلمة ديناميكية، فإن المستقبل يعتمد على كيفية تغيرها. بعض النماذج النظرية تسمح بتسارع أضعف مستقبلًا، وبعضها يسمح بسلوك مختلف جذريًا.
لهذا ليست معرفة الطاقة المظلمة مسألة فضول حول مكوّن مجهول فقط. طبيعتها مرتبطة مباشرة بالسؤال عن المصير طويل الأمد للكون.
لماذا تشكل الطاقة المظلمة معظم الكون ولا نعرف ماهيتها؟
قد يبدو الأمر متناقضًا، لكنه يوضح الفرق بين قياس الأثر ومعرفة السبب. استطاع البشر حساب حركة الكواكب بدقة طويلة قبل فهم بعض التفاصيل الحديثة للفيزياء، ويمكن للعلم أحيانًا أن يقيس ظاهرة بدرجة ممتازة قبل أن يعرف طبيعتها الأساسية.
نحن نعرف أن الكون يتسارع من عدة خطوط مستقلة من الأدلة، ونستطيع بناء نماذج دقيقة تصف تاريخ توسعه. ما لا نعرفه هو الكيان الفيزيائي الذي يقف وراء الحد الذي نسميه «الطاقة المظلمة».
لهذا فإن نحو ثلثي محتوى الكون ليس «مفقودًا» بمعنى أن العلماء لا يعرفون أنه موجود. الأدق أنهم يعرفون أثرًا كونيًا ضخمًا ويستطيعون قياسه، لكن تفسيره الفيزيائي ما زال مفتوحًا.
ما الذي نعرفه وما الذي لا نعرفه؟
- نعرف أن تمدد الكون يتسارع.
- نعرف أن نموذجًا يحتوي على مكوّن يشبه الثابت الكوني يفسر قدرًا كبيرًا من المشاهدات بنجاح.
- نعرف أن الطاقة المظلمة، وفق النموذج القياسي، تمثل نحو ثلثي كثافة الطاقة في الكون.
- لا نعرف ماهية الطاقة المظلمة فيزيائيًا.
- لا نعرف إن كانت ثابتة فعلًا أم تتغير مع الزمن.
- لا نعرف ما إذا كان حل اللغز يحتاج إلى مكوّن جديد في الكون أم تعديلًا أعمق في فهم الجاذبية.
والفرق بين هذه النقاط مهم؛ لأن عبارة «العلماء اكتشفوا الطاقة المظلمة» قد تعطي انطباعًا بأن القضية انتهت. ما اكتُشف في الواقع هو التسارع الكوني، أما تفسيره فما زال واحدًا من أكبر الأسئلة المفتوحة في الفيزياء.
لماذا السنوات القادمة مهمة؟
أكمل DESI في أبريل 2026 السنوات الخمس الأصلية من الرصد بعد قياس عشرات الملايين من المجرات والكوازارات، لكن تحليل المجموعة الكاملة سيستغرق وقتًا. الفريق يتوقع أول نتائج الطاقة المظلمة من بيانات المسح الكامل في 2027، بينما تستمر عمليات رصد إضافية لتوسيع الخريطة.
هذا يجعل المرحلة الحالية مثيرة ولكنها تحتاج إلى الصبر. نتائج 2025 فتحت احتمالًا مهمًا بأن الطاقة المظلمة قد لا تكون ثابتة، ونتيجة يوليو 2026 أظهرت أن بعض القياسات الأحدث أكثر توافقًا مع النموذج القياسي. البيانات المقبلة هي التي ستحدد ما إذا كان التوتر سيزداد أم يتلاشى.
في كلتا الحالتين ستكون النتيجة مهمة. إذا بقي الثابت الكوني صامدًا أمام القياسات الأكثر دقة، فسيزداد الغموض حول سبب قيمته الغريبة. وإذا أثبتت البيانات أن الطاقة المظلمة تتطور بالفعل، فسيتعين تعديل جزء أساسي من النموذج الذي نصف به تاريخ الكون.

COMMENTS