من أفغانستان 2001 إلى حرب إيران 2026 — قراءة فلسفية في ربع قرن من التدخلات الغربية على العالم الإسلامي والجنوب العالمي.
الحملة الصليبية الجديدة: الغرب والجنوب العالمي في ربع قرن من الحروب
من رماد الحادي عشر من سبتمبر إلى نيران حرب إيران 2026 — ربع قرن من الهيمنة والمقاومة والدم
![]() |
| ربع قرن من الحملة الصليبية |
ثمة سؤال يطاردنا كلما فتحنا نشرة الأخبار، كلما رأينا طائرة حربية تشق سماء مدينة عربية أو إسلامية، كلما سمعنا نداءات الضحايا تتصاعد من تحت الأنقاض: هل نحن أمام حوادث متفرقة، أم أن ثمة خيطاً واحداً يربط أفغانستان 2001 بإيران 2026؟ هل هي حروب ضد الإرهاب كما تقول الرواية الرسمية، أم حملات ممنهجة لإعادة رسم خرائط القوة على حساب شعوب بعينها؟
لا أزعم هنا أنني أملك الحقيقة المطلقة، لكنني أقترح عليك رحلة تأمل مشتركة في وقائع موثقة، وأنماط متكررة، وأسئلة فلسفية لا يمكن لأي ضمير حي أن يتجاوزها.
البداية — ذلك الصباح الذي غيّر كل شيء
في الحادي عشر من سبتمبر 2001، انهارت برجا مركز التجارة العالمي في نيويورك، وانهار معهما نظام عالمي كان يوهم نفسه بالاستقرار. لم تمر أسابيع قليلة حتى أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية "الحرب على الإرهاب"، وهو شعار بليغ في غموضه الإجرائي؛ فالإرهاب ليس دولة بعينها ولا جغرافيا محددة، وبالتالي فالحرب عليه لا حدود لها ولا نهاية معلومة.
الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا قال في تلك الأيام إن أمريكا تستخدم مفهوم "الإرهاب" كأداة لشرعنة الحرب الدائمة، حرب بلا خصم محدد ولا نصر ممكن التعريف. وكان محقاً. فالذرائع تتبدل، لكن المدافع تبقى مشرعة، والقواعد العسكرية تتكاثر، والنفوذ يتمدد.
⚔ الخط الزمني — ربع قرن من الحروب
ليبيا والربيع العربي — حين تُصدَّر الفوضى بالنوايا الحسنة
ليبيا القذافي لم تكن جنة، لكنها كانت دولة؛ بمؤسسات ونفط وسكان يعيشون. حين انطلق الربيع العربي، سارع الناتو إلى التدخل تحت القرار الأممي 1973 الذي أجاز "حماية المدنيين"، لكن ما حدث كان شيئاً آخر تماماً: غطاء جوي لإطاحة نظام، ونهاية رجل كان يخطط لاستبدال الدولار بعملة أفريقية مدعومة بالذهب لتسعير النفط.
لا يمكن لأي محلل أمين أن يتجاهل التزامن المثير: القذافي مات، ومشروع الدينار الذهبي الأفريقي مات معه. أفريقيا بقيت مرتبطة بالفرنك الفرنسي وبالدولار. وليبيا تحولت إلى أرض بلا دولة، تعبر منها موجات المهاجرين باتجاه أوروبا في تناقض صارخ: أوروبا أسقطت الدولة الليبية التي كانت تُعيق المهاجرين، ثم شكت من المهاجرين.
الجنوب العالمي — الضحية الصامتة في الرواية الغربية
الجنوب العالمي — أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وجزء من الشرق الأوسط — يعيش تجربة فريدة: يُستنزف موارده، ويُزعزع استقراره، ثم تُقدَّم له الوصفة ذاتها التي أنتجت مشكلاته كـ"علاج". الديمقراطية التي يُصدَّرها الغرب بالدبابة تنتهي في أغلب الأحيان بحكومات موالية للمانحين، لا بحكومات تخدم شعوبها.
السودان ومالي وبوركينا فاسو والنيجر — دول شاهدت في السنوات الأخيرة موجة انقلابات غير مسبوقة. ولعل اللافت أن هذه الانقلابات جاءت في معظمها برافعة شعبية حقيقية، رافضةً للوجود الفرنسي والغربي. يستطيع الغرب أن يصفها بالاستبداد، لكنه لا يستطيع أن يُنكر أن جزءاً من وقودها كان رفضاً شعبياً صريحاً لنموذج التدخل الأجنبي.
للتفكير: بين عامَي 2021 و2024، خرجت فرنسا من مالي والنيجر وبوركينا فاسو تحت ضغط شعبي. ثلاث دول بدت كـ"خسارة" للنفوذ الفرنسي — لكنها بدت كـ"استعادة سيادة" من منظور سكانها. لمن تصدق؟
الخطاب الأخلاقي درعاً للمصلحة الاستراتيجية
الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو علّمنا أن السلطة لا تتكلم بلغة القوة مباشرة؛ تتكلم بلغة "المعرفة" و"الأخلاق" و"الإنسانية". الاستعمار القديم كان "مهمة تحضير"، والتدخلات العسكرية اليوم هي "نشر الديمقراطية" و"حماية حقوق الإنسان".
لكن هذا الخطاب الأخلاقي يتعرض لتناقضات قاتلة: حين تتعامل الولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية مصدرة السلاح والغاز بصرف النظر عن سجل حقوق الإنسان، وتُحاصر كوبا وفنزويلا وإيران بالعقوبات بذريعة الديمقراطية وحقوق الإنسان — فالمعيار الأخلاقي ليس موضوعياً، بل انتقائياً، يخدم التوجيه الاستراتيجي والمصلحة الاقتصادية.
فلسطين — المرآة التي تكشف كل شيء
غزة ليست مجرد أزمة إنسانية — إنها المرآة التي تكشف زيف الخطاب الغربي بشكل فاضح. حين يموت طفل فلسطيني لا ينفجر ضمير المؤسسة الغربية كما ينفجر حين يموت طفل أوكراني. هذا التمييز ليس مصادفة، بل هو بنية ثقافية وجيوسياسية راسخة تُعيد إنتاج نفسها في كل أزمة.
منذ أكتوبر 2023 وبدء الحرب على غزة التي قُدِّر ضحاياها بعشرات الآلاف، دعمت واشنطن ولندن وبرلين العمليات العسكرية دبلوماسياً ومادياً، بينما وظّفت لغة "حق الدفاع عن النفس" لتبرير ما وصفه بعض المحللين الغربيين أنفسهم بـ"العقاب الجماعي".
إيران 2026 — نهاية فصل أم بداية فصل جديد؟
في فبراير 2026، نفّذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران بعد أشهر من التصعيد المتدرج. ردّت إيران بهجمات طالت إسرائيل وعدة دول خليجية. أغرقت غواصة أمريكية الفرقاطة الإيرانية "دنا" في المحيط الهندي، في أول حادثة إغراق قتالي تشارك فيها غواصة أمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. فُرض حصار على الموانئ الإيرانية، وأُغلق مضيق هرمز جزئياً.
الآن في مايو 2026، تجري مفاوضات لوقف إطلاق النار وسط توترات مستمرة وتصريحات متضاربة. ترامب يتحدث عن "انتصار أمريكا"، بينما تلمح طهران إلى صعوبة التراجع عن مطالبها. لكن ما الذي حققته هذه الحرب؟ هل أفضت إلى شرق أوسط أكثر أماناً، أم أنها أضافت طبقة جديدة من الحقد المتراكم والاستحقاق المؤجل؟
الأرقام تتكلم: منذ 2001، تجاوز عدد الضحايا المدنيين في حروب "مكافحة الإرهاب" الأمريكية مليون شخص وفق تقديرات مشروع تكاليف الحرب بجامعة براون. أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 8 تريليونات دولار. والإرهاب... لا يزال.
هل هي حملة صليبية حقاً؟
حين استخدم جورج بوش الابن كلمة "Crusade" في الأيام الأولى بعد الحادي عشر من سبتمبر، سارع مستشاروه إلى سحبها، لكن الزلة كانت كاشفة. ما أقصده بـ"الحملة الصليبية الجديدة" ليس الدلالة الدينية بالضرورة — بل البنية الذهنية: الإحساس بالتفوق الحضاري، وحق التدخل في شؤون الآخرين تحت ستار "الإنقاذ"، والنزوع إلى استخدام القوة لفرض نموذج بعينه على العالم.
ما يجمع بين أفغانستان 2001 وإيران 2026 هو هذه البنية الذهنية تحديداً: "نحن نعرف ما هو أفضل لكم، وسنُجبركم على قبوله إن لزم الأمر." هذه الذهنية — بصرف النظر عن ديانة حامليها — هي روح الحملة الصليبية في القرن الحادي والعشرين.
الصحوة الجنوبية — حين يبدأ التاريخ في الانقلاب
لكن ثمة شيء ما يتغير في عالمنا؛ ببطء ولكن بثبات. الجنوب العالمي يرفض بشكل متزايد الأنماط القديمة. منظمة بريكس توسّعت لتضم دولاً كالسعودية والإمارات وإيران ومصر. الصين وروسيا تملآن الفراغات التي يتركها الغرب. ودول أفريقية وعربية تطرح سؤالاً لم يكن مطروحاً منذ عقود: "هل نحتاج الغرب بالضرورة؟"
نحو ضمير جمعي مختلف
لا أكتب هذه الكلمات من موقع الحقد أو الانحياز المبسَّط. أكتبها من موقع المواطن الإنساني الذي يؤمن بأن الحرية والكرامة لا تتجزأ. من يموت في كابول لا يختلف عن من يموت في كييف في قيمة روحه. ومن يُحتل وطنه في بغداد يحمل نفس الشوق للسيادة الذي يحمله كل إنسان على وجه الأرض.
ما نحتاجه ليس خطاباً للكراهية الغربية، بل خطاباً للمساءلة الحقيقية. مساءلة تطال نخباً سياسية في الغرب تتحدث عن القيم بينما تُوقّع صفقات الأسلحة. ومساءلة تطال نخباً في الشرق استخدمت خطاب "مقاومة الاستعمار" لتأبيد استبدادها الداخلي.
في نهاية المطاف، كل حضارة تُقاس بكيفية تعاملها مع الأضعف. وحين ينظر التاريخ إلى هذا الربع قرن، لن يسأل فقط من ربح الحروب — بل سيسأل: من كان على صواب؟

COMMENTS