ما هي الغلاديو ومن يقف خلفها؟ عملية غلاديو كانت شبكة سرية أنشأتها أجهزة استخبارات غربية خلال الحرب الباردة. تعرف على الحقيقة الموثقة، بعيدًا عن نظريات
بقلم: سيرجي كوربوف
![]() |
| ظهرت غلاديو إلى العلن بعد عقود من العمل السري. |
عندما كُشف في إيطاليا عام 1990 عن وجود شبكة سرية أُنشئت خلال الحرب الباردة استعدادًا لمقاومة غزو سوفيتي محتمل، خرج اسم «غلاديو» (Gladio) إلى العلن، وبدأت واحدة من أكثر قضايا التاريخ الأوروبي المعاصر إثارة للجدل.
وجود الشبكة نفسها ليس نظرية مؤامرة؛ فقد أكدته الحكومة الإيطالية، وناقشته لجان برلمانية، ووصل الملف إلى البرلمان الأوروبي. لكن الجدل يبدأ عند السؤال الأصعب: هل اقتصرت غلاديو وشبكات «البقاء خلف خطوط العدو» على الاستعداد لحرب محتملة، أم ارتبط بعض أجزائها بالعنف السياسي و«استراتيجية التوتر» التي شهدتها أوروبا خلال الحرب الباردة؟
الإجابة الدقيقة تحتاج إلى الفصل بين ما هو موثق رسميًا، وبين اتهامات وتحقيقات وتفسيرات تاريخية لا تزال موضع نقاش.
ما هي عملية غلاديو؟
«غلاديو» هو الاسم الذي حملته شبكة Stay-Behind الإيطالية، أي شبكة أُعدت للعمل «خلف خطوط العدو» إذا احتل الاتحاد السوفيتي أو قوات حلف وارسو أراضي إيطاليا خلال الحرب الباردة.
كانت الفكرة في أصلها عسكرية: تجهيز أفراد مدربين ووسائل اتصال ومخابئ أسلحة وقدرات على جمع المعلومات وتنظيم المقاومة والتخريب ضد قوة احتلال محتملة.
ومع مرور الوقت أصبح اسم «غلاديو» يُستخدم إعلاميًا بصورة أوسع للإشارة إلى شبكات مشابهة وُجدت في عدد من الدول الأوروبية، رغم أن هذه الشبكات لم تكن جميعها تنظيمًا واحدًا متطابقًا أو خاضعًا لهيكل واحد بالطريقة نفسها.
وتشير الأبحاث المعتمدة على الوثائق الإيطالية الرسمية إلى وجود شبكات Stay-Behind أو ترتيبات مشابهة بدرجات مختلفة في عدد من الدول الأوروبية، بعضها ارتبط بهياكل تعاون أطلسية، وبعضها أقام علاقات ثنائية مع الولايات المتحدة أو بريطانيا.
لماذا أُنشئت شبكات Stay-Behind؟
لفهم غلاديو يجب العودة إلى السنوات الأولى بعد الحرب العالمية الثانية.
كانت أوروبا قد خرجت مدمرة من الحرب، بينما تمدد النفوذ السوفيتي في شرق القارة وازدادت قوة الأحزاب الشيوعية في دول غربية مهمة، خصوصًا إيطاليا وفرنسا.
في هذا المناخ نشأت مخاوف من سيناريوهين: غزو عسكري سوفيتي لأوروبا الغربية، أو توسع سياسي شيوعي داخل بعض دولها.
ومن هنا جاءت فكرة إعداد شبكات سرية تستطيع البقاء في الداخل إذا سقطت أراضي الدولة في يد قوة معادية، على غرار حركات المقاومة التي عملت ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية.
في إيطاليا شملت الخطط تدريب عناصر على الاتصالات والاستخبارات والهرب والمقاومة والعمل خلف خطوط العدو، إلى جانب إنشاء مخابئ لمعدات وأسلحة يمكن استخدامها عند الحاجة.
هل كانت غلاديو عملية تابعة للناتو؟
هذه واحدة من أكثر النقاط التي تحتاج إلى صياغة دقيقة.
كان لشبكات Stay-Behind صلات بالتعاون الأمني والعسكري الغربي خلال الحرب الباردة، كما أشار البرلمان الأوروبي عام 1990 إلى تعاون أجهزة الدول المعنية مع هياكل مرتبطة بحلف شمال الأطلسي.
لكن وصف جميع تلك الشبكات بأنها «جيش سري واحد يديره الناتو مباشرة» يبسط صورة أكثر تعقيدًا.
فالدراسات التي اعتمدت على وثائق التحقيقات البرلمانية الإيطالية تبيّن أن العلاقات والقيادة ودرجة التدخل الخارجي تغيرت من دولة إلى أخرى ومن مرحلة زمنية إلى أخرى، وأن بعض أشكال التعاون كانت ثنائية مع أجهزة أمريكية أو بريطانية.
لذلك فالأدق الحديث عن منظومة من شبكات البقاء خلف خطوط العدو داخل المعسكر الغربي، مع اختلاف طبيعة كل شبكة وعلاقاتها عن الأخرى.
كيف كُشفت عملية غلاديو؟
تحولت القضية إلى شأن عام في إيطاليا خلال عام 1990، عندما أكد رئيس الوزراء الإيطالي جوليو أندريوتي وجود شبكة Stay-Behind السرية أمام البرلمان.
لم يكن الكشف مجرد اعتراف بوجود خطة عسكرية قديمة، بل فتح الباب أمام أسئلة محرجة: كيف تعمل شبكة مسلحة وسرية لعقود بعيدًا عن الرقابة العامة؟ ومن كان يعرف بوجودها؟ وما حدود نشاطها داخل الدولة؟
سرعان ما امتدت القضية إلى دول أوروبية أخرى، وأصبحت شبكات مشابهة موضوعًا لتحقيقات سياسية وبرلمانية.
وفي 22 نوفمبر 1990 أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا بشأن قضية غلاديو، أعرب فيه عن القلق من وجود هياكل استخباراتية وعملياتية سرية خارج الرقابة الديمقراطية، ودعا الدول إلى التحقيق في طبيعة هذه الشبكات وعلاقاتها المحتملة بالتدخل غير القانوني في السياسة الداخلية أو الجماعات الإرهابية، كما طالب بتفكيك الشبكات العسكرية وشبه العسكرية السرية.
والتمييز هنا مهم: مطالبة البرلمان الأوروبي بالتحقيق في احتمال وجود صلات غير قانونية لا تعني أن كل الاتهامات التي ظهرت لاحقًا أصبحت حقائق قضائية ثابتة.
ما هي «استراتيجية التوتر»؟
ارتبط اسم غلاديو لاحقًا بمصطلح «استراتيجية التوتر»، وهو وصف يُستخدم عند مناقشة موجات العنف السياسي التي شهدتها إيطاليا خصوصًا خلال ما عُرف بـ«سنوات الرصاص».
الفكرة التي طرحها بعض المحققين والصحفيين والباحثين تقول إن أعمالًا إرهابية أو استفزازية يمكن أن تُستخدم لخلق خوف اجتماعي واسع، ثم دفع الجمهور إلى قبول إجراءات أمنية أشد أو تحولات سياسية معينة.
وقد ثبت قضائيًا تورط جماعات يمينية متطرفة في عدد من أعمال الإرهاب التي شهدتها إيطاليا خلال تلك المرحلة، كما ظهرت في التحقيقات صلات مع شخصيات وأجهزة وشبكات غامضة داخل ما أصبح يُعرف لاحقًا بـ«الدولة العميقة» الإيطالية.
لكن الانتقال من هذه الوقائع إلى القول إن «غلاديو نفذت كل تلك العمليات» ليس استنتاجًا تثبته الوثائق المتاحة بهذه البساطة.
هل كانت غلاديو مسؤولة عن تفجير محطة بولونيا؟
تفجير محطة قطارات بولونيا في 2 أغسطس 1980 واحد من أكثر الأمثلة التي يختلط فيها التاريخ المثبت بالادعاءات المتداولة عن غلاديو.
أسفر التفجير عن مقتل 85 شخصًا وإصابة أكثر من مئتين، وأصبح أحد أكثر الهجمات دموية في تاريخ إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية.
أكد القضاء الإيطالي عبر سلسلة طويلة من المحاكمات مسؤولية عناصر مرتبطة باليمين المتطرف والفاشية الجديدة عن الجريمة، كما صدرت أحكام في قضايا مرتبطة بالتضليل والمساعدة وشبكات دعمت مرتكبيها.
وفي يوليو 2025 ثبّتت محكمة النقض الإيطالية نهائيًا إدانات إضافية في أحدث مسار قضائي متعلق بالمذبحة.
ومع ذلك، فإن القول إن «عملية غلاديو نفسها نفذت تفجير بولونيا» يتجاوز ما تثبته الأحكام القضائية والوثائق التي نُشرت عن الشبكة.
وهذه نقطة أساسية لأن بعض الروايات الشعبية تخلط بين وجود اليمين المتطرف، وأجهزة استخبارات منحرفة، وشبكات سرية، ومحفل P2، وغلاديو، وكأنها تنظيم واحد يتحرك بأمر مركزي واحد.
الحقيقة التاريخية أكثر تعقيدًا.
ماذا تقول الدراسات عن علاقة غلاديو بالإرهاب؟
الباحث الإيطالي ليوبولدو نوتي، في دراسة اعتمدت على الوثائق الرسمية التي أتيحت للجان التحقيق البرلمانية الإيطالية، خلص إلى أن هذه الوثائق تؤكد وجود شبكة غلاديو وأهدافها العسكرية في سياق الحرب الباردة، لكنها لا تسمح بإثبات أن غلاديو شاركت في الأنشطة الإرهابية غير القانونية في الستينيات والسبعينيات.
ولا يعني ذلك أن كل الشبهات المتعلقة بأجهزة الدولة والعنف السياسي قد أُغلقت؛ فالتاريخ الإيطالي في تلك المرحلة شهد بالفعل فضائح وتحقيقات وعمليات تضليل وتداخلات بين جماعات متطرفة وشخصيات داخل مؤسسات الدولة.
لكن التعامل الجاد مع الملف يقتضي ألا نضع كل هذه الوقائع تحت اسم «غلاديو» بلا دليل مباشر.
لهذا يمكن القول إن هناك مستويين مختلفين:
- حقيقة مثبتة: وجود شبكة Stay-Behind إيطالية سرية باسم غلاديو، ووجود شبكات مشابهة في دول أوروبية أخرى.
- حقيقة مثبتة: وجود تعاون واتصالات استخباراتية غربية مرتبطة بالاستعداد لمواجهة الاتحاد السوفيتي.
- حقيقة مثبتة: تورط جماعات يمينية متطرفة في أعمال إرهابية كبرى داخل إيطاليا.
- موضع جدل: مدى استخدام شبكة غلاديو نفسها في عمليات سياسية داخلية أو أعمال إرهابية.
- موضع جدل: حجم السيطرة المباشرة التي مارستها المؤسسات الأمريكية أو الناتو على كل شبكة وفي كل مرحلة.
ما هي غلاديو في تركيا؟
تظهر تركيا أيضًا كثيرًا في عمليات البحث المتعلقة بغلاديو، لكن الاسم المستخدم في السياق التركي كان مختلفًا.
تشير دراسات عن «الدولة العميقة» التركية إلى وجود ترتيبات Stay-Behind ضمن البنية العسكرية التركية خلال الحرب الباردة، ارتبطت بما عُرف بـCounter-Guerrilla وبمؤسسات الحرب الخاصة.
وكما في الحالة الإيطالية، توسعت حول هذه الشبكات اتهامات تتعلق بالتدخل في السياسة الداخلية والعنف السياسي.
لكن من غير الدقيق التعامل مع كل أعمال «الدولة العميقة» التركية أو كل جماعة سرية ظهرت لاحقًا باعتبارها استمرارًا مثبتًا ومباشرًا لغلاديو الأوروبية.
فالوثائق والدراسات تميز بين وجود ترتيبات عسكرية حقيقية للاستعداد لحرب محتملة وبين الادعاءات الأوسع بشأن استخدام تلك الشبكات في الصراع السياسي الداخلي.
لماذا ظلت غلاديو مثيرة للجدل؟
المشكلة الأساسية في قصة غلاديو لا تبدأ من فكرة الاستعداد لمقاومة احتلال أجنبي؛ فهذا النوع من التخطيط يمكن فهمه بسهولة في مناخ الحرب الباردة.
الجزء المقلق هو وجود بنية مسلحة وسرية تعمل سنوات طويلة خارج معرفة قطاعات واسعة من المؤسسات السياسية والجمهور.
السرية التي كانت ضرورية عسكريًا أصبحت بعد انكشاف الشبكات نفسها سببًا للشك: إذا كانت حكومات وبرلمانات لم تكن تعرف كل التفاصيل، فكيف يمكن التأكد مما فعلته تلك الأجهزة طوال عقود؟
لهذا كان رد البرلمان الأوروبي في 1990 شديدًا، وركز على الرقابة الديمقراطية بقدر تركيزه على نشاط الشبكات نفسها.
وتظل غلاديو مثالًا مهمًا على واحدة من المعضلات القديمة في عمل أجهزة الاستخبارات: تحتاج الدول إلى السرية لحماية أمنها، لكن السرية التي تفلت من الرقابة يمكن أن تتحول هي نفسها إلى تهديد للمؤسسات التي يُفترض أنها تحميها.
غلاديو بين الحقيقة ونظرية المؤامرة
ربما يكون أكثر ما يميز قصة غلاديو أن النواة الأساسية للقصة حقيقية بالفعل: شبكات سرية، مخابئ أسلحة، أجهزة استخبارات، خطط مقاومة، وتعاون دولي لم يعرف الجمهور عنه لعقود.
لكن وجود هذا الجزء الحقيقي جعل الملف أيضًا أرضًا خصبة لإضافة ادعاءات لا تتساوى جميعها في قوة الأدلة.
لهذا فإن الطريقة الأفضل لفهم العملية ليست إنكار كل شيء باعتباره «نظرية مؤامرة»، ولا قبول كل رواية مثيرة لمجرد أن الشبكة السرية ثبت وجودها.
المطلوب هو السؤال في كل مرة: ما الذي تؤكده الوثائق؟ وما الذي أثبته القضاء؟ وما الذي لا يزال تفسيرًا أو اتهامًا؟
بهذا المعنى، لا تكمن أهمية غلاديو فقط في الأسرار التي كُشفت، بل أيضًا في الدرس الذي تركته: حين تعمل أجهزة شديدة القوة في الظل، تصبح الرقابة والوثائق والقدرة على التمييز بين الحقيقة والاتهام ضرورة سياسية لا ترفًا.
ولقراءة سياق أوسع عن سياسات الحرب الباردة والنفوذ الأمريكي، يمكنك قراءة تشالمرز جونسون وانتقاده لدور الولايات المتحدة في العالم.
مصادر ومراجع
- البرلمان الأوروبي: قرار قضية غلاديو الصادر في 22 نوفمبر 1990
- جامعة Roma Tre: دراسة Leopoldo Nuti عن نشأة شبكة Gladio الإيطالية
- دراسة عن التعاون الاستخباراتي الأمريكي الإيطالي وتطور غلاديو
- وزارة الثقافة الإيطالية: الحكم النهائي المتعلق بمذبحة محطة بولونيا
- Middle East Institute: الدولة العميقة التركية وشبكات Stay-Behind

COMMENTS