هل تستطيع أمريكا حماية السعودية من الصواريخ والمسيّرات؟ تحليل لأطروحة ميرشايمر وتحديات الدفاع الجوي في الخليج وتكلفة الاعتراض ومخزون الذخائر.
هل تستطيع الولايات المتحدة حماية السعودية من هجمات الصواريخ والمسيّرات، مهما بلغت قوة التحالف بين البلدين وحجم الإنفاق العسكري؟
يرى أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي جون ميرشايمر أن المشكلة لم تعد تتعلق فقط بجودة السلاح أو قوة التحالفات. فالتطور المتسارع في الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإمكانية استخدامها في هجمات كثيفة ومتواصلة، يضعان منظومات الدفاع أمام معضلة يصعب حلها بالوسائل التقليدية.
في تحليل نشره يوم 14 أكتوبر 2026، تحت عنوان «We Can't Help Saudi Arabia»، لخّص ميرشايمر أطروحته بعبارة: «الهجوم يتفوق على الدفاع».
لكن هذه العبارة، على قوتها، تفتح سؤالًا يستحق تحليلًا أعمق: هل أصبح الدفاع الجوي عاجزًا بالفعل، أم أن المشكلة الحقيقية هي صعوبة توفير حماية شبه كاملة بتكلفة يمكن تحملها، ولمدة تسمح بمواجهة حملة عسكرية طويلة؟
![]() |
| تصور فني لتحديات الدفاع الجوي في الخليج. |
ماذا قال جون ميرشايمر عن حماية السعودية؟
انطلق ميرشايمر من سؤال طرحه أحد متابعيه بشأن القصور الظاهر في قدرة الولايات المتحدة على توفير الحماية الجوية التي تحتاجها السعودية أمام هجمات الحوثيين، رغم الشراكة الاستراتيجية الوثيقة بين الرياض وواشنطن.
ورفض تفسير المشكلة بضعف العلاقات الثنائية أو بعدم قدرة السعودية على شراء الأسلحة المتطورة. فالمملكة تمتلك موارد مالية كبيرة، وحصلت على منظومات أمريكية متقدمة، كما أن التعاون العسكري بين البلدين يمتد لعقود.
بحسب ميرشايمر، المشكلة أعمق من ذلك. فالمدافع يحتاج إلى اكتشاف المقذوفات القادمة وتتبعها واعتراضها، بينما يستطيع المهاجم استخدام أنواع مختلفة من الأسلحة، وإطلاق أعداد كبيرة منها، وتكرار الهجمات لاستنزاف الدفاعات.
ويستشهد ميرشايمر بتجارب إسرائيل خلال المواجهات مع إيران، وبأزمة الذخائر الدفاعية في أوكرانيا، ليخلص إلى أن الولايات المتحدة لا تستطيع ضمان حماية السعودية من حملة صاروخية ومسيّرات واسعة ومستمرة.
ويذهب أبعد من ذلك، إذ يرى أن المشكلة قد تواجه القواعد العسكرية الأمريكية نفسها إذا حاولت واشنطن إعادة بناء وجود عسكري كبير في الخليج، لأن المنشآت الثابتة ستكون معرضة لهجمات مشابهة.
هذا هو جوهر أطروحته، ويمكن الرجوع إلى الحلقة الأصلية لجون ميرشايمر المنشورة في 14 أكتوبر 2026.
لكن من المهم تأكيد أن ميرشايمر يقدم هنا حكمًا استراتيجيًا قابلًا للنقاش، لا قانونًا عسكريًا مثبتًا يقول إن كل هجوم سينجح أو إن الدفاع الجوي فقد قيمته.
لماذا أصبحت حماية الأجواء أكثر تعقيدًا؟
لا تواجه منظومات الدفاع الحديثة نوعًا واحدًا من التهديدات. ففي البيئة العسكرية المعاصرة، يمكن أن تتعرض الدولة لهجمات تستخدم صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيّرة، ولكل منها خصائص مختلفة.
الصواريخ الباليستية
تُطلق هذه الصواريخ في مسار يتضمن مرحلة صعود يعقبها طيران نحو الهدف. ويمكن أن تصل بسرعات عالية للغاية، ما يجعل اعتراضها مهمة تتطلب أجهزة استشعار دقيقة ومنظومات متخصصة.
صواريخ كروز
تطير صواريخ كروز عادة داخل الغلاف الجوي، وقد تستخدم ارتفاعات منخفضة نسبيًا، وهو ما يفرض تحديات مختلفة على الرادارات ووسائل الكشف والاعتراض.
المسيّرات الهجومية أحادية الاتجاه
هي طائرات غير مأهولة تُصمم للوصول إلى هدفها والاصطدام به. وبعض أنواعها أقل تكلفة من الصواريخ المتطورة، ويمكن إنتاجها واستخدامها بأعداد كبيرة نسبيًا.
لا يعني ذلك أن كل مسيّرة رخيصة أو يصعب اعتراضها. فالأحجام والمديات وأنظمة التوجيه والسرعات تختلف بصورة كبيرة، وكذلك الوسائل المناسبة لمواجهتها.
الهجمات المركبة وهجمات الإغراق
تزداد المشكلة تعقيدًا عندما يواجه المدافع أعدادًا كبيرة من الأهداف، أو مزيجًا من المقذوفات التي تختلف في السرعة والارتفاع والقدرات.
يُعرف هذا النوع من الضغط باسم هجمات الإغراق (Saturation Attacks).
الفكرة الأساسية بسيطة: حتى المنظومة الدفاعية المتطورة تعمل ضمن حدود لقدرتها على الكشف والمتابعة والاشتباك، وتحتاج إلى مخزون من الذخائر الاعتراضية لاستخدامه عند الضرورة.
ومع تكرار الموجات الهجومية، تصبح إدارة هذه الموارد جزءًا من المعركة نفسها.
وقد يضطر المدافع إلى ترتيب أولوياته وفق خطورة المقذوفات والأهداف التي تهددها، بدل محاولة اعتراض كل جسم يظهر على أجهزة الاستشعار.
وهذا لا يعني بالضرورة انهيار الدفاعات، لكنه يكشف أن التصدي للهجوم عملية مستمرة لإدارة المخاطر، وليس مجرد الضغط على زر يضمن إسقاط كل تهديد.
معادلة التكلفة: عندما يكون الدفاع أغلى من الهجوم
إحدى أقوى النقاط في تحليل ميرشايمر تتعلق بما يسمى معادلة تبادل التكلفة (Cost Exchange Ratio).
فبعض المسيّرات الهجومية يمكن إنتاجها بتكلفة أقل بكثير من تكلفة الصواريخ الاعتراضية عالية الأداء.
وفي دراسة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي (CSIS) في مارس 2026، تناولت الباحثة كاترينا بوندار استخدام المسيّرات في الخليج، وأشارت إلى الفوارق الكبيرة بين تكلفة بعض وسائل الهجوم منخفضة الثمن وتكلفة الاعتراض بالذخائر المتطورة.
لكن هناك خطأ شائعًا في تفسير هذه المعادلة: مقارنة ثمن المسيّرة بثمن الصاروخ الاعتراضي، ثم إعلان أن المهاجم انتصر اقتصاديًا بمجرد إطلاقه.
المعادلة أكثر تعقيدًا.
فإذا كانت المسيّرة تتجه إلى منشأة للطاقة أو مطار أو موقع يضم أعدادًا كبيرة من المدنيين، فقد تكون تكلفة منع إصابتها للهدف أقل بكثير من الخسائر المحتملة إذا وصلت إليه.
وهذا ما يؤكده تحليل نشره الباحث ويس رومبو في CSIS عام 2024 بعنوان «Cost and Value in Air and Missile Defense Intercepts»؛ إذ يميز بين تكلفة الاعتراض والقيمة الاقتصادية والعسكرية والإنسانية لما يحميه الاعتراض.
ولا يجب أيضًا استخدام صاروخ اعتراض مرتفع التكلفة ضد كل مسيّرة منخفضة الثمن. ففي بعض الظروف، قد توفر المدافع أو وسائل الحرب الإلكترونية أو المسيّرات الاعتراضية أو منظومات المدى القصير بدائل مناسبة.
لكن تلك البدائل لا تعمل بالكفاءة نفسها ضد جميع أنواع التهديدات، ولا يمكن استبدال منظومات اعتراض الصواريخ الباليستية بها بصورة عامة.
المشكلة إذن ليست أن تكلفة الدفاع أعلى دائمًا من قيمة ما يحميه، بل أن الاعتماد المفرط على وسائل اعتراض محدودة ومكلفة قد يجعل الدفاع الطويل الأمد أقل استدامة.
لماذا لا يكفي الاعتماد على باتريوت وحده؟
أصبحت منظومة باتريوت من أشهر أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي في العالم، لكنها ليست مصممة لتكون الحل الوحيد لجميع التهديدات الجوية.
وتختلف قدرات المنظومة باختلاف تكوينها والرادارات والذخائر المستخدمة فيها.
فالصواريخ الاعتراضية المتطورة، مثل PAC-3 MSE، تؤدي دورًا مهمًا في مواجهة تهديدات عالية الخطورة، وخصوصًا بعض الصواريخ الباليستية.
لكن إطلاق صاروخ مرتفع التكلفة ضد كل هدف جوي منخفض الثمن ليس استخدامًا اقتصاديًا أو عملياتيًا مثاليًا لهذه القدرات.
لهذا تقوم فكرة الدفاع الجوي متعدد الطبقات (Layered Air Defense) على تكامل وسائل مختلفة، تشمل:
- الرصد والإنذار المبكر وتبادل معلومات التهديدات.
- منظومات اعتراض بعيدة ومتوسطة المدى.
- وسائل دفاع قريبة مناسبة لبعض المقذوفات والمسيّرات.
- الحرب الإلكترونية عندما تكون ملائمة لنوع التهديد.
- المسيّرات الاعتراضية منخفضة التكلفة نسبيًا.
- إدارة المخزونات والصيانة والقدرة على إعادة الإمداد.
والهدف من هذا التكامل ليس بناء نظام لا يخترقه أي سلاح، بل زيادة فرص الاعتراض، وتقليل الخسائر، والاحتفاظ بالذخائر الأكثر تقدمًا للتهديدات التي تستدعي استخدامها.
هنا تظهر حدود التفسير الذي يختزل المشكلة في ارتفاع تكلفة باتريوت. فحتى لو أصبحت ذخائر الاعتراض أرخص، ستظل جودة الإنذار المبكر والتكامل بين الأنظمة وتوزيع الموارد عوامل حاسمة.
حرب الأيام الاثني عشر: هل فشلت الدفاعات الإسرائيلية أمام إيران؟
يستشهد ميرشايمر بالحرب التي اندلعت بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025، واستمرت نحو اثني عشر يومًا.
خلال هذه المواجهة، أطلقت إيران صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، بينما استخدمت إسرائيل منظومات دفاع متعددة الطبقات، وحصلت على مساعدة عسكرية أمريكية في اعتراض تهديدات جوية.
وكانت الولايات المتحدة قد شاركت في جهود الدفاع الجوي منذ بداية المواجهة، ثم نفذت لاحقًا ضربات ضد منشآت نووية إيرانية.
وتشير تقديرات جمعها باحثون في CSIS إلى إطلاق إيران مئات الصواريخ الباليستية خلال الحرب، وإلى استخدام الولايات المتحدة أعدادًا كبيرة من صواريخ الاعتراض المتطورة، ومنها ذخائر THAAD وSM-3.
وقد نجحت الدفاعات الإسرائيلية والأمريكية في اعتراض نسبة كبيرة من التهديدات، لكنها لم تمنع جميع الصواريخ من الوصول إلى أهدافها، ووقعت إصابات وخسائر مادية.
هنا يصبح التمييز ضروريًا: نجاح نسبة كبيرة من عمليات الاعتراض لا يساوي حماية كاملة، ووقوع اختراقات لا يعني أن المنظومة الدفاعية فشلت بالكامل.
ولو لم تُستخدم الدفاعات أصلًا، لكان من الممكن أن تتعرض الأهداف المحمية لخسائر أكبر بكثير.
لكن تكرار عمليات الاعتراض استهلك ذخائر متقدمة، وفتح نقاشًا جديًا حول حجم المخزون الذي تحتاجه الدول وحلفاؤها في مواجهة تهديدات تستمر أسابيع أو أشهر.
وهذه هي النقطة التي يقدم عندها ميرشايمر اعتراضًا استراتيجيًا مهمًا: قد تنجح المنظومة في اليوم الأول، وتنجح في اليوم الثاني، لكنها تحتاج إلى الذخائر والموارد اللازمة للاستمرار في اليوم الثلاثين وما بعده.
حرب إيران 2026: الحماية الفعالة لا تعني منع جميع الاختراقات
تجدد الاختبار على نطاق أوسع عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية ضد إيران يوم 28 فبراير 2026.
ويشير ميرشايمر في حلقته إلى مرحلة قصف مكثفة امتدت حتى 8 أبريل 2026، ويصفها بأنها استمرت نحو أربعين يومًا. ولا تعني نهاية تلك المرحلة انتهاء الصراع الإقليمي كله، إذ استمرت المواجهات والتوترات بعد ذلك.
خلال هذه الفترة، استخدمت إيران الصواريخ والمسيّرات في ضرب إسرائيل وأهداف داخل الخليج، بينما عملت القوات الأمريكية وحلفاؤها على اعتراض أعداد كبيرة من التهديدات.
وفي دراسة نشرها CSIS في يوليو 2026، خلص الباحثان مارك كانسيان وكريس بارك إلى أن حملة الدفاع الجوي والصاروخي كانت ناجحة بدرجة كبيرة، رغم عدم تحقيق اعتراض كامل.
وأشار التحليل إلى أن بعض الهجمات اخترقت الدفاعات وأحدثت خسائر وأضرارًا في قواعد عسكرية، لكنها لم تنجح في تعطيل العمليات الأمريكية وقوات التحالف بصورة حاسمة.
هذه النتيجة تمثل اعتراضًا مهمًا على القراءة الأكثر تشاؤمًا لأطروحة ميرشايمر.
فإذا استطاعت منظومة دفاعية حماية القدرات الأساسية للقوات واستمرار عملياتها، فإنها تؤدي وظيفة عسكرية مهمة، حتى لو تعرضت بعض مواقعها للإصابة.
لكن دراسة CSIS نفسها حذرت من انخفاض مخزونات الذخائر الاعتراضية المتقدمة، وما يفرضه ذلك من مخاطر على قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع صراعات أخرى متزامنة.
وفي أكتوبر 2026، نشر تحقيق لرويترز تفاصيل عن هجمات إيرانية أصابت منشآت حيوية للطاقة والنقل في دول خليجية، وأظهر أن وقوع اختراقات محدودة العدد قد يؤدي أحيانًا إلى خسائر اقتصادية كبيرة بسبب طبيعة المنشآت المستهدفة.
وهكذا لا تقدم تجربة 2026 إجابة بسيطة تقول إن الهجوم انتصر أو إن الدفاع فشل؛ بل تكشف عن منافسة طويلة تتداخل فيها فعالية الاعتراض مع القدرة على استمرار العمليات وتحمل الخسائر وإعادة بناء الموارد.
السعودية والحوثيون: لماذا يصعب حماية بلد واسع المساحة؟
تواجه السعودية تحديًا يختلف عن الدفاع عن مدينة واحدة أو قاعدة عسكرية صغيرة. فهي دولة شاسعة المساحة، تضم مدنًا كبيرة ومنشآت للطاقة ومطارات ومرافق صناعية وخطوط نقل واتصال تتوزع على مسافات واسعة.
ومع اتساع المنطقة المطلوب حمايتها، تصبح مهمة بناء تغطية دفاعية متكاملة أكثر تعقيدًا وتكلفة.
وخلال أكتوبر 2026، شهدت المملكة تصعيدًا كبيرًا في الهجمات التي أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن عدد منها.
وفي 10 أكتوبر، تعرض مطار الملك خالد الدولي بالرياض لهجوم أودى بحياة 13 شخصًا على الأقل وأصاب أكثر من 300، وفق التقارير التي نشرتها وكالة أسوشيتد برس استنادًا إلى المعلومات المتاحة.
ونقلت الوكالة عن مسؤولين إقليميين أن تحقيقًا تناول كيفية تمكن مزيج من الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية من اختراق الدفاعات في هذا الهجوم.
وفي المقابل، أعلنت القوات السعودية اعتراض صواريخ ومسيّرات خلال هجمات أخرى.
وهذا التفصيل مهم؛ لأنه يمنع استنتاجًا مبالغًا فيه يقول إن الدفاع السعودي عاجز عن اعتراض التهديدات، كما يمنع تجاهل الهجمات التي وصلت إلى أهدافها.
وفي تقرير لرويترز بتاريخ 15 أكتوبر 2026، أشار خبراء عسكريون إلى تطور القدرات الحوثية في تصنيع وتجميع الأسلحة، وإلى الصعوبات التي تفرضها مساحة السعودية واتساع منشآتها الحيوية، فضلًا عن الضغط الواقع على مخزونات الاعتراض بسبب الصراع الإقليمي.
ولا يمكن تحديد نسبة نجاح شاملة للدفاعات السعودية من هذه الوقائع وحدها؛ لأن ذلك يحتاج إلى معلومات موثوقة عن إجمالي المقذوفات، وأنواعها، والأهداف التي كانت تهددها، وعدد ما اعترض بالفعل.
النتيجة التي تسمح بها الأدلة أكثر تحديدًا: تمتلك السعودية قدرات دفاعية مهمة، لكنها تواجه صعوبة حقيقية في منع كل الاختراقات أمام تهديدات متنوعة ومتكررة.
مخزونات الاعتراض: المشكلة التي لا تظهر على الرادار
يمكن مشاهدة إطلاق صاروخ اعتراضي أو سقوط مسيّرة في مقطع مصور، لكن أحد أهم عناصر الحرب الحديثة لا يظهر في هذه المشاهد: عدد الذخائر المتبقية، والمدة اللازمة لتعويض المستهلك منها.
كل عملية اعتراض تستخدم موارد ينبغي تعويضها، ومع استمرار المعارك يصبح السؤال ليس فقط عن كفاءة الصاروخ، بل عن قدرة الدولة على إنتاجه ونقله وتجهيزه بالسرعة المطلوبة.
وقد حذر CSIS في دراسات خلال عامي 2025 و2026 من الضغط الشديد على مخزونات THAAD وباتريوت وغيرها من وسائل الاعتراض الأمريكية.
ونشر المركز تقديرات لأحجام بعض المخزونات بعد العمليات القتالية، لكنها تقديرات بحثية لا تمثل كشفًا رسميًا شاملًا ودقيقًا بالمخزون العسكري المتاح في كل وقت.
كما أن عبارة ميرشايمر بأن أوكرانيا نفدت لديها صواريخ باتريوت ينبغي فهمها ضمن مشكلة نقص الإمدادات وصعوبة تغطية الاحتياجات، لا باعتبارها إثباتًا بأن كل وحدات باتريوت الأوكرانية توقفت عن العمل أو أن مخزونها الإجمالي أصبح صفرًا.
وتؤكد التطورات الصناعية أهمية المشكلة. ففي يناير 2026، أعلنت شركة لوكهيد مارتن اتفاقًا مع الحكومة الأمريكية لزيادة الطاقة الإنتاجية السنوية لصواريخ PAC-3 MSE من نحو 600 إلى 2000 صاروخ تدريجيًا ضمن برنامج يمتد لسبع سنوات.
ولا يعني الإعلان أن المصانع تستطيع إنتاج 2000 صاروخ فورًا؛ فالتوسع الصناعي يحتاج إلى منشآت ومكونات وعمالة وسلاسل توريد ومواعيد تسليم.
وفي 12 أكتوبر 2026، نقلت رويترز عن قائد عسكري بولندي أن تسليم بعض صواريخ باتريوت الأمريكية إلى بلاده سيتأخر، في ظل الضغوط التي فرضتها الحرب على المخزونات والإمدادات.
وهنا تتضح المعضلة الصناعية: قد تستطيع دولة استخدام ذخائر متطورة بسرعة كبيرة، بينما تحتاج إلى شهور أو سنوات لتعويض جزء مما استهلكته.
وفي المقابل، تستطيع بعض الجهات المهاجمة تصنيع وسائل هجوم أبسط وأقل تكلفة وبأعداد كبيرة نسبيًا، وإن كانت هي الأخرى تواجه حدودًا إنتاجية ومادية وتقنية.
لهذا لا تقاس القدرة الدفاعية بعدد البطاريات والمنظومات الموجودة على الورق وحده، وإنما بقدرتها على الاستمرار في العمل وإعادة التزود بالذخائر أثناء الصراع.
هل تستطيع الولايات المتحدة حماية قواعدها العسكرية في الخليج؟
يطرح ميرشايمر سؤالًا يتجاوز الدفاع عن السعودية: إذا كانت الأسلحة الهجومية قادرة على اختراق بعض الدفاعات، فماذا يعني ذلك للقواعد العسكرية الأمريكية في الخليج؟
يرى أن إعادة بناء وجود أمريكي كبير في منشآت ثابتة قد تصبح خطوة محفوفة بالمخاطر، لأن هذه المنشآت يمكن أن تتعرض لهجمات صاروخية ومسيّرات متكررة.
والقلق الذي يطرحه ليس بلا أساس؛ فقد أظهرت صراعات السنوات الأخيرة أن المطارات والقواعد والموانئ والمنشآت اللوجستية يمكن أن تتعرض لأضرار مؤثرة حتى في وجود وسائل دفاع متقدمة.
كما أن بعض المواقع تكتسب أهميتها من تركيز طائرات ومعدات وأفراد وإمدادات فيها، وهو ما يجعل أي إصابة ناجحة محتملة التأثير على العمليات.
لكن الاستنتاج بأن الولايات المتحدة لن تستطيع الدفاع عن قواعدها بصورة ذات معنى يحتاج إلى قدر أكبر من التحفظ.
فالقوات المسلحة لا تعتمد على الاعتراض الصاروخي وحده لحماية وجودها، بل تستخدم وسائل متعددة لتقليل المخاطر، مثل التحصين وتوزيع الموارد ومرونة الإمداد والإنذار المبكر وتوفير مواقع بديلة عند الضرورة.
ويمكن أن تتعرض قاعدة لضربة دون أن تتوقف قدرتها على العمل بصورة كاملة، كما يمكن أن ينجح هجوم محدود في تعطيل منشأة حساسة إذا أصاب نقطة مهمة فيها.
لهذا فإن قياس النجاح لا يقتصر على سؤال: هل وصل صاروخ إلى القاعدة؟ بل يشمل أيضًا مقدار الضرر ومدة التعطل ومدى استمرار المهمة العسكرية.
وتدعم دراسات CSIS لعام 2026 هذا التمييز، إذ أشارت إلى وقوع أضرار واختراقات مع استمرار العمليات الأمريكية وقوات التحالف.
والأدق أن نقول إن الصواريخ والمسيّرات تزيد تكلفة الوجود العسكري الثابت وتفرض عليه احتياطات أكبر، لا أنها تجعل هذا الوجود مستحيلًا بالضرورة.
أين يصيب ميرشايمر، وأين تحتاج أطروحته إلى مراجعة؟
تحتوي أطروحة ميرشايمر على تحذير استراتيجي مهم: ليس من الواقعي افتراض أن شراء أفضل منظومات الدفاع سيخلق مظلة تستطيع اعتراض جميع المقذوفات، بصرف النظر عن عددها ونوعها ومدة الهجوم.
وتتفق معه دراسات عسكرية مستقلة في أن المخزونات المحدودة وتكاليف الاعتراض والضغط على الإنتاج تمثل مشكلات حقيقية.
لكن العبارة العامة بأن «الهجوم يتفوق على الدفاع» تحتاج إلى شروط وحدود.
فالمهاجم لا ينجح لمجرد امتلاكه صواريخ ومسيّرات، والمدافع لا يُهزم لمجرد مرور بعض المقذوفات.
يتوقف الأمر على طبيعة الأهداف، وأنواع الأسلحة، وفعالية الإنذار المبكر، ومستويات التكامل بين المنظومات، والمخزون المتاح، وقدرة الطرفين على مواصلة القتال.
وقد تنجح الدفاعات في اعتراض غالبية التهديدات والمحافظة على استمرار عمل منشآت حيوية. وفي حالات أخرى، قد تؤدي اختراقات قليلة إلى أضرار كبيرة رغم ارتفاع معدل الاعتراض.
والهجوم نفسه له تكلفة، ويحتاج إلى مخزونات وقدرات إنتاج ونقل وصيانة ومعلومات مناسبة عن الأهداف. وليس افتراض امتلاك المهاجم عددًا غير محدود من المقذوفات افتراضًا واقعيًا.
إذن، لا يمكن اختصار كل صراع في معادلة ثابتة تمنح المهاجم النصر مسبقًا.
وتبقى قيمة تحليل ميرشايمر في التنبيه إلى حدود الدفاع العسكري، بينما تكمن محدوديته في الانتقال أحيانًا من وجود اختراقات ومشكلات استدامة إلى استنتاج واسع بشأن عدم جدوى الحماية.
ما الذي تحتاجه دول الخليج في عصر الصواريخ والمسيّرات؟
لا ينبغي أن يكون الهدف الواقعي لدول الخليج شراء عدد أكبر من صواريخ الاعتراض المتطورة وحسب.
فالتهديدات المختلفة تحتاج إلى استجابات مختلفة، وحماية بلد واسع المساحة تتطلب تكاملًا مستمرًا بين الوسائل الدفاعية والقدرات الصناعية والمؤسسات الأمنية.
وتبرز هنا مجموعة من الأولويات الاستراتيجية العامة:
- تطوير شبكات إنذار مبكر أكثر تكاملًا وقدرة على تبادل المعلومات.
- توسيع الدفاع متعدد الطبقات، مع الحفاظ على الذخائر المتطورة للتهديدات المناسبة لها.
- زيادة القدرة على مواجهة المسيّرات بوسائل أقل تكلفة عندما يكون ذلك ممكنًا.
- تحسين الجاهزية والصيانة وإدارة مخزونات الاعتراض.
- تقليل تعرض المنشآت الحيوية للتعطل الكامل عند حدوث إصابات.
- تطوير التعاون الإقليمي والسياسي لتقليل احتمالات استمرار الهجمات من أساسها.
لكن حتى هذه الإجراءات لا تضمن حماية مطلقة.
فأي استراتيجية دفاعية واقعية يجب أن تعترف بوجود خطر متبقٍ، وأن تعمل على تقليله بدل أن تعد بإزالته نهائيًا.
كما أن الأمن لا يتحقق بالوسائل العسكرية وحدها. فالمفاوضات وترتيبات خفض التصعيد وتسوية النزاعات قد تخفف حجم التهديد الذي يتعين على الأنظمة الدفاعية مواجهته.
والحماية الأكثر استدامة هي التي تجمع بين القدرة العسكرية والمرونة الاقتصادية والعمل السياسي، بدل الاعتماد على منظومة تسليح واحدة أو ضمانة خارجية لا حدود لها.
هل تغيرت معادلة القوة العسكرية في الخليج؟
من السهل النظر إلى التفوق العسكري من خلال حجم الميزانيات الدفاعية، وعدد الطائرات المقاتلة، وأنواع الصواريخ والرادارات التي تمتلكها الدول.
لكن الحروب الحديثة كشفت أن هذه المقاييس، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتقدير القدرة على حماية مجتمع كامل خلال صراع طويل.
فالدولة قد تمتلك معدات أكثر تطورًا من خصمها، لكنها تواجه صعوبة في تغطية جميع أهدافها الحيوية. وقد تنجح في اعتراض معظم المقذوفات، لكنها تتحمل تكلفة عالية لاستمرار هذا النجاح.
وفي المقابل، لا يعني امتلاك الخصم مسيّرات أو صواريخ أقل تكلفة أنه يستطيع فرض أهدافه السياسية أو العسكرية بسهولة.
فالقدرة على إلحاق الضرر ليست مساوية بالضرورة للقدرة على تحقيق النصر، كما أن منع كل ضرر ليس شرطًا وحيدًا لنجاح الدفاع.
ولهذا ينبغي أن نفرق بين ثلاثة أسئلة:
- هل تستطيع الولايات المتحدة والسعودية اعتراض أعداد كبيرة من الصواريخ والمسيّرات؟ نعم، تمتلكان قدرات تساعد على ذلك، وقد سجلت الدفاعات عمليات اعتراض فعلية.
- هل تستطيعان ضمان منع جميع الاختراقات أمام حملة كبيرة ومستمرة؟ لا توجد أدلة تبرر مثل هذا الضمان المطلق.
- هل يعني ذلك أن الولايات المتحدة عاجزة عن تقديم حماية ذات قيمة للسعودية؟ ليس بالضرورة؛ فالمساعدة في الكشف والاعتراض وتقليل الخسائر واستمرار العمليات تظل ذات قيمة حتى دون حماية كاملة.
وهنا أصل إلى النقطة التي أرى أنها الأهم في تحليل ميرشايمر، وربما أكثر دقة من عنوان حلقته نفسه.
لقد أصبحت قدرة الدولة على إنتاج الذخائر وتعويضها، وتكييف دفاعاتها مع أشكال الهجوم الجديدة، جزءًا من ميزان القوة لا يقل أهمية عن امتلاك السلاح الأكثر تطورًا.
وإذا كان لدى الخصم استعداد لإطلاق موجات متكررة من الأسلحة المختلفة، فلن يكفي امتلاك بطاريات دفاعية ممتازة ما لم توجد قدرة مستدامة على تشغيلها وإمدادها وحماية المنشآت التي تدافع عنها.
هذه ليست نهاية عصر الدفاع الجوي، وإنما نهاية الاطمئنان إلى أن التفوق التقني وحده كفيل بإلغاء خطر الهجوم.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم القلق الذي يثيره ميرشايمر بشأن السعودية والوجود الأمريكي في الخليج، دون التسليم باستنتاجه الأكثر إطلاقًا.
فالولايات المتحدة تستطيع المساعدة في حماية السعودية، وقد تكون هذه المساعدة حاسمة في تقليل الخسائر. لكنها لا تستطيع أن تعدها، أو تعد أي حليف آخر، بمظلة دفاعية تضمن ألا يصل أي صاروخ أو مسيّرة إلى هدفه.
والمسألة في النهاية ليست اختيارًا بين دفاع كامل ودفاع عديم الجدوى، بل كيفية بناء دفاع فعال ومستدام في مواجهة تهديدات تتطور باستمرار، وكيفية تقليل الحاجة إلى اختباره في حرب طويلة.
المصادر والمراجع
- John J. Mearsheimer — We Can't Help Saudi Arabia | Ask the Professor، 14 أكتوبر 2026.
- CSIS — Cost and Value in Air and Missile Defense Intercepts، فبراير 2024.
- CSIS — The Depleting Missile Defense Interceptor Inventory، ديسمبر 2025.
- CSIS — Unpacking Iran's Drone Campaign in the Gulf، مارس 2026.
- CSIS — Rebuilding U.S. Missile Inventory: A Multiyear Project، مايو 2026.
- CSIS — Renewed Iran War Would Test Diminished Interceptor Inventories، يوليو 2026.
- Reuters — How Are Yemen's Houthis Attacking Saudi Arabia So Effectively?، أكتوبر 2026.
- Associated Press — التحقيق في اختراق الدفاعات السعودية خلال هجمات الرياض، أكتوبر 2026.
- Reuters Investigates — How Iran's Precision Strikes Picked Apart Gulf Infrastructure، أكتوبر 2026.
- Lockheed Martin — PAC-3 MSE Production Acceleration Agreement، يناير 2026.
- Reuters — Patriot Interceptor Deliveries to Poland Will Be Delayed، أكتوبر 2026.

COMMENTS