سقوط بغداد عام 1258: كيف أنهى هولاكو الخلافة العباسية؟

SHARE:

كيف سقطت بغداد بيد المغول عام 1258؟ تعرف إلى أسباب الحصار ودور هولاكو والمستعصم بالله، وحقيقة تدمير المكتبات ونهاية الخلافة العباسية.

في فبراير عام 1258، دخلت قوات المغول بقيادة هولاكو خان مدينة بغداد، وأسقطت السلطة العباسية التي اتخذت من المدينة عاصمة لها منذ القرن الثامن الميلادي. ولم يكن سقوط بغداد مجرد انتصار عسكري جديد في سلسلة الفتوحات المغولية؛ فقد انتهى معه حكم آخر الخلفاء العباسيين في العاصمة العراقية، وتعرضت المدينة لقتل ونهب ودمار ترك أثرًا عميقًا في تاريخ المنطقة وذاكرتها.

لكن بغداد لم تسقط فجأة. فقد سبقت الحصار سنوات من التحولات السياسية والعسكرية، وكانت الخلافة العباسية في القرن الثالث عشر مختلفة كثيرًا عن الدولة التي حكمت مساحات واسعة من العالم الإسلامي في عصر هارون الرشيد والمأمون.

لفهم سقوط بغداد عام 1258، لا يكفي أن نروي قصة هولاكو والمستعصم بالله، أو أن نبحث عن شخص واحد نحمله مسؤولية الكارثة. الأهم أن نفهم كيف وصلت الدولة إلى هذا الموقف، وكيف جرى الحصار، وما الذي انتهى فعلًا بدخول المغول إلى العاصمة العباسية.

تصور تاريخي لحصار بغداد عام 1258 يظهر أسوار المدينة ونهر دجلة والقوات المغولية بقيادة هولاكو
تصور فني لحصار بغداد ونهاية الحكم العباسي


متى سقطت بغداد على يد المغول؟

سقطت بغداد في فبراير 1258 ميلادية، الموافق سنة 656 هجرية، بعد حصار قصير نسبيًا قادته قوات هولاكو خان.

بدأت العمليات الحاسمة في أواخر يناير 1258، وتمكن المغول من اختراق دفاعات المدينة في أوائل فبراير. ثم استسلم الخليفة المستعصم بالله، ودخلت القوات المغولية بغداد وبدأت أعمال القتل والنهب.

تختلف بعض الروايات في تحديد يوم الاستسلام والدخول والمدة الدقيقة التي استغرقها القتال، لكن التاريخ العام للحدث واضح: انتهى حكم العباسيين في بغداد في فبراير 1258، وقُتل الخليفة المستعصم بعد سقوط المدينة.

أما الخلافة العباسية بوصفها مؤسسة رمزية، فقد ظهرت لاحقًا في القاهرة تحت رعاية سلاطين المماليك، وهو ما يجعل عبارة «نهاية الخلافة العباسية» بحاجة إلى توضيح: انتهت الخلافة العباسية الحاكمة في بغداد، لكن الاسم واللقب استمرا في سياق سياسي مختلف.

كيف كانت بغداد قبل وصول هولاكو؟

أسس الخليفة أبو جعفر المنصور مدينة بغداد سنة 762 ميلادية، وجعلها عاصمة للدولة العباسية. وفي القرون التالية، تحولت إلى مركز سياسي وتجاري وعلمي واسع التأثير.

شهدت العاصمة نشاطًا فكريًا كبيرًا في الرياضيات والفلك والطب والفلسفة والأدب، وازدهرت فيها حركة الترجمة والنسخ وصناعة الكتب. وقد اشتهر العصر العباسي برعاية العلماء والمترجمين، وإن لم تكن هذه الرعاية مقتصرة على مؤسسة واحدة أو خليفة واحد.

لكن القوة السياسية للدولة العباسية تغيرت مع الزمن. فقد ظهرت سلطات إقليمية قوية، وتراجع نفوذ الخلفاء على أقاليم كانت خاضعة للعاصمة في فترات سابقة.

وفي مراحل مختلفة، خضع مركز الخلافة لتأثير قوى عسكرية وسياسية مثل البويهيين ثم السلاجقة. وبعد ذلك استعاد الخلفاء العباسيون قدرًا من الاستقلال السياسي داخل العراق، لكنهم لم يستعيدوا الامتداد الذي تمتعت به الدولة في القرون الأولى.

وهكذا، عندما اقترب المغول من بغداد في القرن الثالث عشر، كانت المدينة لا تزال تملك مكانة دينية وثقافية كبرى، لكن مكانتها الرمزية لم تكن تعني امتلاك جيش قادر على مواجهة إحدى أقوى القوى العسكرية في العالم آنذاك.

ولقراءة المرحلة التي تحولت فيها بغداد إلى مركز عالمي للمعرفة، يمكن الرجوع إلى مقال بيت الحكمة في بغداد وحركة الترجمة في العصر العباسي.

من هو هولاكو خان؟ ولماذا اتجه إلى بغداد؟

كان هولاكو خان أحد أحفاد جنكيز خان، وشقيق الإمبراطور المغولي الأكبر مونكو خان.

في منتصف القرن الثالث عشر، كُلّف هولاكو بقيادة حملة كبيرة باتجاه الأراضي الواقعة غرب مناطق النفوذ المغولي في آسيا الوسطى، بهدف إخضاع قوى سياسية لم تدخل بصورة كاملة تحت سلطة المغول.

ولم تبدأ حملة هولاكو ببغداد؛ فقد شملت قبل ذلك السيطرة على قلاع الإسماعيليين النزاريين في إيران، ومنها قلعة ألموت التي سقطت عام 1256.

ثم اتجه اهتمام القيادة المغولية إلى الخلافة العباسية.

كانت بغداد بالنسبة إلى هولاكو هدفًا سياسيًا مهمًا، ليس بسبب ثروتها وموقعها وحدهما، بل لأن الخليفة العباسي احتفظ بمكانة معنوية واسعة في العالم الإسلامي.

وتشير دراسة المؤرخ روفين أميتاي في «الموسوعة الإيرانية» إلى وجود نقاش بين الباحثين حول الحدود الدقيقة للمهمة التي أوكلها مونكو إلى هولاكو، وحول طموحه لتأسيس سلطة مستقرة في المناطق التي أخضعها.

لكن الثابت أن التحرك نحو بغداد جاء ضمن حملة توسع مغولية واسعة، ولم يكن مجرد رد فعل مفاجئ على حادث واحد أو خلاف شخصي مع الخليفة.

من هو المستعصم بالله آخر خلفاء بغداد؟

تولى المستعصم بالله الخلافة العباسية سنة 1242، واستمر في الحكم حتى سقوط بغداد سنة 1258.

ورث دولة لا تزال تتمتع بمكانة دينية وسياسية مهمة، لكنها كانت تواجه واقعًا عسكريًا مختلفًا عن مراحل قوتها الأولى.

وتصور بعض الروايات التاريخية المستعصم باعتباره حاكمًا ضعيف القرار لم يدرك خطورة التهديد المغولي، بينما تتناول روايات أخرى الخلافات داخل البلاط العباسي وطبيعة المشورة التي تلقاها.

لكن من الضروري ألا نختزل حكمه في صورة أدبية ساخرة، ولا أن نفترض أن قراراته وحدها تفسر سقوط المدينة.

فالمغول كانوا قد أخضعوا قوى كبيرة قبل بغداد، وامتلكوا خبرات عسكرية واسعة في حصار المدن. وكانت مواجهة حملة بهذا الحجم تحتاج إلى قيادة وموارد وتحالفات لم تستطع بغداد توفيرها بصورة كافية.

ومع ذلك، يتحمل الحكم العباسي مسؤولية سياسية عن إدارة الخطر، بما في ذلك تقدير نيات المغول والتفاوض معهم والاستعداد لاحتمال الحرب.

أسباب سقوط بغداد عام 1258

1. التفوق العسكري للمغول

كانت القوات المغولية تمتلك خبرة كبيرة في القتال السريع والتنسيق بين الوحدات العسكرية وحصار المدن المحصنة.

كما استفادت الحملات المغولية من خبرات مهندسين ومقاتلين وقوات جاءت من مناطق متعددة خضعت لإمبراطوريتهم أو تحالفت معهم.

لم يكن سقوط بغداد نتيجة مواجهة بين فرسان المغول وجيش عباسي في سهل مفتوح فحسب، بل كان حصارًا شاركت فيه قوات منظمة قادرة على تطويق المدينة ومهاجمة دفاعاتها.

2. تراجع قدرة الخلافة العسكرية

لم تعد بغداد في القرن الثالث عشر مركز إمبراطورية واسعة يمكنها تعبئة موارد أقاليم تمتد من المغرب إلى آسيا الوسطى.

وقد أدى تقلص السيطرة السياسية وتغير موازين القوة الإقليمية إلى الحد من قدرة الحكومة العباسية على تجهيز جيش يضاهي الحملة المغولية.

وترد في المصادر أعداد متباينة للغاية للقوات المدافعة عن بغداد، ولذلك لا يصح اعتماد رقم واحد ثم بناء تفسير كامل للسقوط عليه.

الأوضح تاريخيًا أن دفاعات المدينة لم تستطع الصمود أمام القوات المهاجمة، وأن القيادة العباسية أخفقت في توفير استجابة عسكرية وسياسية تنقذ العاصمة.

3. فشل المفاوضات مع هولاكو

سبقت الحصار مراسلات ومطالب متبادلة بين هولاكو والخليفة المستعصم بالله.

وتصف المصادر خلافًا بشأن الخضوع للسلطة المغولية، وإظهار الطاعة، وتقديم ما طلبه هولاكو من دعم أو تنازلات.

لم تنتهِ هذه الاتصالات إلى تسوية تحفظ بغداد، وانتقلت المواجهة من التهديد والمراسلات إلى الحصار العسكري.

ويختلف المؤرخون في تفسير أسباب فشل المفاوضات: هل بالغ الخليفة في تقدير مكانته وقدرته على الردع؟ أم أن هولاكو كان مصممًا على الإخضاع بما يجعل التسوية الحقيقية محدودة الاحتمال؟

لا يلزم أن يكون أحد التفسيرين وحده صحيحًا. فقد اجتمعت في الأزمة حسابات سياسية خاطئة مع حملة توسع امتلكت القدرة والاستعداد لاستخدام القوة.

4. ضعف التماسك السياسي داخل البلاط

شهدت المرحلة الأخيرة من الحكم العباسي خلافات بين شخصيات بارزة في إدارة الدولة وقيادة الجيش.

وتتكرر في الروايات أسماء الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي وعدد من رجال البلاط والقادة العسكريين، لكن حجم المسؤولية المنسوبة إلى كل طرف يختلف باختلاف المصدر.

المشكلة التاريخية هنا ليست في إنكار وجود خلافات داخلية، بل في تحويلها إلى قصة مكتملة عن مؤامرة واحدة دون فحص الأدلة المستقلة.

حصار بغداد: كيف دخل المغول المدينة؟

في أواخر سنة 1257، تحركت القوات المغولية نحو بغداد، وتجمعت وحدات من اتجاهات مختلفة للمشاركة في الحملة.

ومع نهاية يناير 1258، أصبح الحصار واقعًا عسكريًا مباشرًا. استخدمت القوات المهاجمة آلات الحصار، وهاجمت الأسوار ومواقع الدفاع، بينما حاولت القوات العباسية منع تقدمها.

لم تستطع المحاولات الدفاعية تغيير ميزان القوى، وتعرضت التحصينات لضغط شديد، قبل أن تتقدم القوات المغولية إلى مواقع حاسمة حول المدينة.

وفي أوائل فبراير، أصبح استمرار المقاومة المنظمة أكثر صعوبة، وبدأت محاولات الاستسلام والتفاوض في ظل تدهور الموقف العسكري.

تذكر «الموسوعة الإيرانية» أن بغداد سقطت في 13 فبراير 1258، وأنها تعرضت بعد ذلك لأيام من النهب والقتل.

والأدق هنا التفريق بين ثلاث مراحل متقاربة: انهيار الدفاعات، واستسلام الخليفة، ودخول القوات المغولية وما أعقبه من أعمال عنف.

هذه المراحل وقعت خلال أيام قليلة، وهو ما يفسر اختلاف بعض التواريخ المتداولة عن اليوم الذي «سقطت» فيه المدينة.

ماذا حدث لسكان بغداد بعد دخول المغول؟

شهدت بغداد بعد سقوطها أعمال قتل ونهب ودمار واسعة، وردت أخبارها في مصادر عربية وفارسية وسريانية وغيرها.

ولم يقتصر أثر الكارثة على رجال الدولة والجيش. فقد طالت أعمال العنف سكانًا مدنيين، وتعرضت منشآت وممتلكات ومجموعات من الكتب للضياع أو التلف.

وتقدم بعض المصادر القديمة أرقامًا هائلة لأعداد القتلى، تصل في بعض الروايات إلى مئات الآلاف أو أكثر.

لكن لا توجد إحصاءات سكانية مستقلة تسمح بتحديد عدد الضحايا بدقة، كما لا تتفق الروايات على تقدير واحد.

ولهذا لا يصح تقديم أكثر الأرقام تداولًا باعتبارها حقيقة إحصائية نهائية.

لا يحتاج حجم المأساة إلى رقم مبالغ فيه حتى ندرك أثرها. فقد أدت أعمال العنف وانهيار المؤسسات والاضطراب الاقتصادي إلى إلحاق ضرر شديد بالمدينة وسكانها.

كيف مات المستعصم بالله؟

قُتل الخليفة المستعصم بالله بعد سقوط بغداد، وتنتهي بوفاته سلالة الخلفاء العباسيين الذين حكموا من العاصمة العراقية.

لكن الطريقة التي قُتل بها أصبحت موضوعًا لروايات مختلفة.

من أشهرها قصة لف الخليفة في بساط ثم قتله تحت حوافر الخيل، وتوجد روايات أخرى تتحدث عن الخنق أو التجويع أو صور مختلفة للإعدام.

وقد خصصت الباحثة نسيمة نقاز دراسة بعنوان «الوفيات المتعددة لآخر الخلفاء العباسيين» لمقارنة هذه الروايات المتعارضة، وبيان كيف استخدم مؤرخو العصور الوسطى قصة مقتله في بناء تصورات عن الهزيمة والسلطة والمصير.

إذن، مقتل المستعصم بعد سقوط بغداد واقعة تاريخية ثابتة، أما الطريقة التفصيلية التي قُتل بها فليست موضع اتفاق كامل بين المصادر.

هل خان ابن العلقمي بغداد وسلّمها للمغول؟

من أكثر الأسئلة إثارة للجدل في تاريخ سقوط بغداد دور الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي، الذي كان من أبرز رجال الدولة العباسية في أواخر عهد المستعصم.

تتهمه روايات تاريخية بالتواصل مع المغول والمساهمة في إضعاف الجيش، وتربط ذلك بخلافات مذهبية وسياسية داخل بغداد.

لكن المصادر لا تتفق في تفاصيل الاتهامات، ولا تقدم جميعها الأدلة نفسها على وجود خطة سرية موحدة لتسليم المدينة.

كما أن حملة هولاكو كانت جزءًا من مشروع عسكري مغولي واسع بدأ قبل حصار بغداد، فلا يمكن تفسير الغزو كله بقرار من وزير واحد.

وفي المقابل، لا ينبغي تحويل اختلاف الروايات إلى حكم قاطع ببراءة جميع رجال البلاط من المسؤولية السياسية؛ فقد كانت إدارة الأزمة وتقدير الخطر والبحث عن تسوية أو دفاع من مهامهم.

ويمكن لذلك التمييز بين ثلاثة مستويات:

  • حقيقة تاريخية: تولى ابن العلقمي الوزارة في المرحلة الأخيرة من الخلافة، وكان حاضرًا في إدارة الأزمة.
  • روايات واتهامات: نسبت إليه مصادر تاريخية مراسلة المغول والإسهام المتعمد في إضعاف الدفاعات.
  • تفسير يحتاج إلى إثبات: أن خيانته وحدها كانت السبب الحاسم لسقوط بغداد.

وهذا التمييز ضروري، لأن تفسير حدث معقد باتهام مذهبي شامل لا يساعد على فهم التاريخ، وقد يحجب دور السياسة العسكرية المغولية والأزمات التي سبقت الحصار.

هل دمر المغول بيت الحكمة وألقوا الكتب في دجلة؟

ترتبط قصة سقوط بغداد بصورة شديدة الحضور في الذاكرة التاريخية: كتب لا تُحصى تُلقى في نهر دجلة حتى يسود ماؤه من الحبر.

هذه الصورة تعبر عن الفاجعة الثقافية التي رافقت الغزو، لكنها لا يمكن التعامل معها بوصفها وصفًا حرفيًا ثابتًا بُني على قياسات أو شهادات معاصرة متفقة.

فقد تعرضت بغداد بالفعل لخسائر كبيرة في ممتلكاتها ومؤسساتها، وشملت الخسائر مجموعات من الكتب والمخطوطات. لكن تحديد ما جرى لكل مكتبة، وعدد ما فُقد من كتب، أمر أكثر صعوبة.

أما بيت الحكمة الذي ازدهر اسمه في تاريخ الدولة العباسية المبكر، فلا نملك أدلة قاطعة تسمح بإعادة بناء وضعه المؤسسي في سنة 1258 على الصورة الشائعة التي تتخيله جامعة كبرى لا تزال تعمل بالشكل نفسه منذ عهد المأمون.

وقد بيّنت الباحثة ميخال بيران، في دراسة عن المكتبات وانتقال المعرفة في بغداد خلال الحكم الإيلخاني، أن الحياة العلمية ومجموعات الكتب لم تختفِ جميعها بعد الغزو، وأن المدينة شهدت استمرارًا في أنشطة علمية وثقافية مهمة.

هذا لا ينفي وقوع الدمار، لكنه يمنع استنتاجًا غير دقيق مفاده أن سقوط بغداد أدى إلى توقف العلم في العالم الإسلامي كله، أو أن كل المعرفة التي تراكمت في المدينة ضاعت في ليلة واحدة.

ولمناقشة تاريخ المؤسسة نفسها والفرق بينها وبين حركة الترجمة الأوسع، يمكن قراءة مقالنا عن بيت الحكمة في بغداد وحقيقة ما نعرفه عن تأسيسه ودوره العلمي.

هل انتهى العصر الذهبي الإسلامي بسقوط بغداد؟

كثيرًا ما تُقدَّم سنة 1258 باعتبارها نهاية العصر الذهبي للحضارة الإسلامية. لكن هذا الوصف يحتاج إلى تحديد المقصود بالعصر الذهبي وحدوده الزمنية والجغرافية.

كانت بغداد أحد أهم المراكز العلمية والثقافية في تاريخ العالم الإسلامي، لكن النشاط الفكري لم يكن محصورًا داخلها.

فقد وُجد علماء ومؤسسات علمية في القاهرة ودمشق والأندلس ومدن إيران وآسيا الوسطى وغيرها، واستمر إنتاج المعرفة في مناطق متعددة بعد سقوط العاصمة العباسية.

كما أن بعض أشكال النشاط العلمي استمرت في بغداد نفسها خلال العهد الإيلخاني، وإن تغيرت ظروف الرعاية والسلطة والتنظيم.

وهكذا يمكن وصف سقوط بغداد بأنه ضربة سياسية وثقافية كبرى، دون تحويله إلى تاريخ موحد لانتهاء الإبداع العلمي في جميع المجتمعات الإسلامية.

إعلان مدفوع
إعلان Colonia للعطور والعناية الشخصية

اكتشف عالم كولونيا للعطور والعناية الشخصية.

ماذا حدث لبغداد بعد سنة 1258؟

لم تختفِ بغداد من الخريطة بعد الغزو المغولي، لكنها فقدت موقعها بوصفها عاصمة لخلافة عباسية مستقلة.

أصبحت المدينة جزءًا من المجال السياسي المغولي الذي تطور إلى الدولة الإيلخانية في إيران والعراق، وشهدت مراحل مختلفة من إعادة التنظيم الإداري والعمراني.

وقد استمرت فيها الحياة الاقتصادية والثقافية بأشكال متفاوتة، رغم الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها خلال الغزو.

وفي دراسة عن تاريخ المكتبات في بغداد الإيلخانية، تذهب ميخال بيران إلى أن إعادة بناء النشاط العلمي تكشف صورة أكثر تعقيدًا من فكرة مدينة ماتت فيها المعرفة نهائيًا عام 1258.

فقد تغيرت السلطة ومراكز الرعاية العلمية، لكن العلماء والكتب وشبكات التعليم لم تختفِ كلها، واستطاع المجتمع إنتاج أشكال جديدة من الاستمرار والتكيف.

كيف عادت الخلافة العباسية إلى القاهرة؟

بعد سقوط بغداد ومقتل المستعصم، واجهت المجتمعات الإسلامية سؤالًا سياسيًا ودينيًا مهمًا: هل يمكن استمرار مؤسسة الخلافة العباسية بعد فقدان عاصمتها وسلطتها الحاكمة؟

في سنة 1261، أعاد المماليك في القاهرة إحياء منصب الخليفة العباسي من خلال أحد أفراد البيت العباسي.

لكن هذه الخلافة الجديدة لم تكن استعادة للدولة التي حكمت بغداد. فقد بقيت السلطة السياسية والعسكرية الفعلية في أيدي سلاطين المماليك، بينما اكتسب الخليفة العباسي في القاهرة وظيفة شرعية ورمزية داخل نظام الحكم.

وتشرح الباحثة منى حسن في كتابها «الحنين إلى الخلافة المفقودة» كيف ظل سقوط بغداد حاضرًا في الذاكرة الفكرية والدينية، وكيف أعاد العلماء والحكام التفكير في معنى الخلافة وشرعيتها بعد فقدان مركزها القديم.

لذلك لم تكن سنة 1258 نهاية فكرة الخلافة العباسية في التاريخ، بل نهاية شكل سياسي محدد منها.

هل أوقفت معركة عين جالوت تقدم المغول بعد سقوط بغداد؟

بعد سقوط بغداد، واصلت القوات المغولية حملاتها غربًا، ودخلت أجزاء من بلاد الشام.

وفي عام 1260، واجه جيش المماليك بقيادة السلطان سيف الدين قطز القوات المغولية في معركة عين جالوت بفلسطين.

انتهت المعركة بهزيمة القوة المغولية بقيادة كتبغا، وأصبحت محطة مهمة في تاريخ الصراع بين المماليك والمغول.

لكن من الضروري تصحيح فكرة شائعة: هولاكو نفسه لم يكن قائد الجيش المغولي الذي هُزم في عين جالوت؛ فقد كان قد انسحب بقسم كبير من قواته إلى الشرق قبل المعركة.

كما أن الهزيمة لم تعنِ زوال الدولة الإيلخانية، إذ استمرت الحروب والمواجهات بين المماليك والمغول في العقود التالية.

تكمن أهمية عين جالوت في أنها ساعدت على تثبيت سلطة المماليك في مصر والشام، وعرقلت امتداد السيطرة المغولية في هذه المنطقة.

لماذا يُعد سقوط بغداد نقطة تحول في التاريخ الإسلامي؟

لا ترجع أهمية سقوط بغداد إلى عدد الضحايا أو حجم الدمار وحدهما، بل إلى انهيار مركز سياسي ورمزي ظل مرتبطًا بالخلافة العباسية أكثر من خمسة قرون.

فبغداد لم تكن مجرد عاصمة إدارية؛ كانت مدينة ذات مكانة ثقافية ودينية في ذاكرة مجتمعات واسعة، وارتبط اسمها بتاريخ العلماء والكتاب والفقهاء والأطباء والمترجمين.

ولهذا أثار فقدانها ردود فعل تجاوزت حدود العراق. وقد وثقت الدراسات التاريخية كيف عبّر مؤرخون وشعراء وعلماء في مناطق مختلفة عن الصدمة، وأعادوا تفسير ما حدث في ضوء أفكارهم عن السلطة والدين والتاريخ.

لكن نهاية الحكم العباسي في بغداد لم تكن نهاية التاريخ الإسلامي، ولا نهاية بغداد ذاتها.

لقد انتقلت مراكز القوة، وأعيد تشكيل مؤسسات الحكم، واستمرت المعرفة عبر مدن وأجيال أخرى.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية لدراسة سقوط بغداد: فهي تذكرنا بأن الحضارات لا تختفي بالضرورة حين تنهزم دولها، وأن فهم الكوارث التاريخية يحتاج إلى الفصل بين الحدث نفسه والأساطير التي تنشأ حوله.

سقطت بغداد سياسيًا عام 1258، وتعرض أهلها ومؤسساتها لدمار هائل. لكن تاريخها لم يتوقف عند تلك اللحظة؛ فقد بقيت آثارها الثقافية والفكرية جزءًا من العالم الذي جاء بعدها.

المصادر والمراجع

COMMENTS

الاسم

اتجاهات وأفكار,9,أحداث من التاريخ,14,أخبارعلمية,1,أسرار تاريخية,12,أعمال مترجمة,4,اقتصاد,20,اقتصاد عالمي,13,الشرق الأوسط,13,أمام العدسة,12,تاريخ,45,تحليلات إخبارية,20,ترجمات علمية,2,ثقافة وأدب,49,حكايات أدبية,4,دراسات ثقافية وأدبية,6,دراماتيك,13,روايات وكتب,19,رياضة,9,سياسة,61,سينما,16,شؤون مصرية,3,شخصيات تاريخية,7,شعر ونثر,17,علوم وتكنولوجيا,14,فلك وفضاء,13,فنون وسينما,38,قضايا معاصرة,21,كرة قدم,9,كمبيوتر وإنترنت,3,مسارات مختلفة,3,مساهمات القراء,41,مقالات وتحليلات,59,ملفات سياسية,53,
rtl
item
صفحة أخيرة: سقوط بغداد عام 1258: كيف أنهى هولاكو الخلافة العباسية؟
سقوط بغداد عام 1258: كيف أنهى هولاكو الخلافة العباسية؟
كيف سقطت بغداد بيد المغول عام 1258؟ تعرف إلى أسباب الحصار ودور هولاكو والمستعصم بالله، وحقيقة تدمير المكتبات ونهاية الخلافة العباسية.
https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEh91WDTv9upfwL_GWVNtzar8ZgH8S_d-TrhGgNecPQh7V7Db_MUHBWHYIW2xz_kB3BkVHTvtmVDaUtk6vxYOdTI5kpBRn8EjjYHvfINHtFWWYqyktNJhGBMMNTNHKTQM0CTYO_a1ADaM9f7TcIqNYIg3YZSCx8nD9UZlrozdJzvkTAvaf_Nt7PaJgOtX50/w400-h224/fall-of-baghdad-1258-mongol-siege.webp
https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEh91WDTv9upfwL_GWVNtzar8ZgH8S_d-TrhGgNecPQh7V7Db_MUHBWHYIW2xz_kB3BkVHTvtmVDaUtk6vxYOdTI5kpBRn8EjjYHvfINHtFWWYqyktNJhGBMMNTNHKTQM0CTYO_a1ADaM9f7TcIqNYIg3YZSCx8nD9UZlrozdJzvkTAvaf_Nt7PaJgOtX50/s72-w400-c-h224/fall-of-baghdad-1258-mongol-siege.webp
صفحة أخيرة
https://www.saf7a-a5era.com/2026/10/fall-of-baghdad-1258-mongol-siege.html
https://www.saf7a-a5era.com/
https://www.saf7a-a5era.com/
https://www.saf7a-a5era.com/2026/10/fall-of-baghdad-1258-mongol-siege.html
true
4387532385212111926
UTF-8
Loaded All Posts Not found any posts VIEW ALL Readmore Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS View All RECOMMENDED FOR YOU LABEL ARCHIVE SEARCH ALL POSTS Not found any post match with your request Back Home Sunday Monday Tuesday Wednesday Thursday Friday Saturday Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS PREMIUM CONTENT IS LOCKED STEP 1: Share to a social network STEP 2: Click the link on your social network Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy Table of Content