دراماتيك | الـBookman ودرجة حرارة 451 فهرنهايت

SHARE:

بدأت المُدرِّسة حوارها معه عن سر رقم 451 المكتوب على زي رجال المطافئ فيخبرها أنها درجة الحرارة بمقياس فهرنهايت والتي تحترق عنده الكتب وتتحول إلى رماد

دراماتيك | الـBookman  ودرجة حرارة 451 فهرنهايت

 (بقلم: صفية عامر)

دراماتيك | الـBookman  ودرجة حرارة 451 فهرنهايت
451 فهرنهايت

451 فهرنهايت

كثير من الأفلام تحدَّثَت عن الحُكم الديكتاتوري الفاشي؛ هناك فيلم "آخر ملوك اسكتلندا" والذي تحدث عن ديكتاتور أوغندا "عيدي أمين"، وكذلك فيلم "NO"  إنتاج شيلي عن ديكتاتورها "بينوشيه"..

لكن قِلَّة من الأفلام؛ وربما يكون هو الفيلم الوحيد الذي تحدث عن أساليب أي ديكتاتور للبقاء على الكرسي، وأحد أخطر تلك الوسائل إن لم يكن أهمها هي "تغييب الوَعْي" والسيطرة على العقول من خلال الإعلام المسموع والمقروء.

بالاختصار كل ما كنت جاهل كل ما كنت زبون لقطة يا معلم

رواية "451 فهرنهايت" كتبها الروائي البريطاني "راي برادبيري" عام 1953 وتعتبر من أنواع روايات الخيال العلمي في زمانها، حيث يوجد قطار معلق، وتليفزيون يتواصل مع المشاهدين بشكل مباشر من خلال شاشة التليفزيون، رجال أمن يطيرون في الهواء.. وغيرها.

نجحت الرواية، وباعت أكثر من 5 ملايين نسخة، ومازالت محتفظة بشهرتها بعد هذا الوقت الطويل، وحصل كاتبها على ميدالية "العطاء المتميز" للأدب الأمريكي عام 2000، وكذلك نال التنويه الخاص لجائزة "بوليتزر" لعام 2007 وغيرها.

الرواية تم تحويلها إلى أفلام وعروض مسرحية في مختلف دول العالم، هناك نسخة فيلم بريطانية قديمة تعود لعام 1996 وهناك النسخة الأمريكية عام 2018، ورغم فارق التنفيذ والمؤثرات البصرية لصالح النسخة الأحدث، لكن الحديث هنا عن النسخة البريطانية.. وإن كان الإيقاع يبدو بطيئا ويغلب عليه الطابع المسرحي ولكن يستحق المشاهدة.

دراماتيك | الـBookman  ودرجة حرارة 451 فهرنهايت
المؤلف البريطاني "راي برادبيري"

البداية

يبدأ الفيلم بصافرة إنذار في إحدى محطات المطافئ لتخرج عربة مسرعة، بالتزامن مع ذلك يستقبل أحد الشباب تليفون من فتاة تطلب منه الخروج من بيته بسرعة ولا تلتفت لتساؤله عن السبب بل تصر على خروجه من بيته أولا، ومع سماعه لصوت عربة المطافئ يخرج مسرعا.

تصل عربة المطافئ وبدأ رجالها في تفتيش منزل الشاب، الأدراج، الخزانة، حتى الأماكن الغريبة مثل الأباجورة والتليفزيون، ماكينة التوست، لم يكن البحث عن مواد متفجرة أو قابلة للاشتعال بقدر ما كان البحث عن الكتب.. أي كتب لا فرق؛ سواء عميقة أو تافهة.

رجال المطافئ يبدون خبراء حقا في اكتشاف الأماكن السريَّة التي يخفي فيها صاحب المكان كتبه ليتم قذفها من النافذة لتبدأ عملية حرقها أمام الجميع ليكون عبرة لغيره.

أحد رجال المطافئ اعتاد ركوب القطار المُعَلَّق وتلاحقه مُدَرِّسة فضولية فتقرر التعرف عليه والحديث معه، حيث أنهما جيران في نفس المنطقة وقد أثار زيه فضولها.

بينما المنطق يقول أن زي رجل المطافئ مصدر للأمان، لكن الحاصل هو العكس تماما، حتى أن رجل المطافئ هذا "مونتاج" اعتاد عمله واعتاد رائحة الجازولين التي تفوح منه.

بدأت المُدرِّسة حوارها معه عن سر رقم 451 المكتوب على زي رجال المطافئ فيخبرها أنها درجة الحرارة بمقياس فهرنهايت والتي تحترق عنده الكتب وتتحول إلى رماد.

ويبدو أنها لمست فيه شيئا مختلفا من ترحيبه بالحديث معها، فتسأله هل حقا في الأزمنة الماضية كان رجال المطافئ متخصصون في إطفاء الحرائق فقط، وليس حرق الكتب كما هو الآن؟! لتجد الإجابة منه أن الكتب برأيه "قمامة" وليست مشوِّقة وقراءتها تصيب الناس بالحزن وتجعلهم يعادون المجتمع الذي يعيشون فيه!!

تخبره عن نفسها وأنها قيد التحقيق والمراقبة بسبب أن السلطة تعتبرها مصدر خطر، وقبل أن يفترقا تسأله هل جرب أن يقرأ كتابا من الكتب التي يقوم بحرقها؟ ليجيب إجابة نموذجية مثل أي موظف مُخلِص مُبرمَج:

"أقراها ليه الموضوع مش مهم ليا وعندي حاجات تانية أحسن أعملها وكمان دي ممنوعة"

لاوعي يتشكَّل

في منزل "مونتاج" نجد زوجته منصهرة بكامل طاقتها مع التليفزيون وبرامجه وأخباره التي تفتخر دوما بحرق الكتب التي تُسبِّب الأذى للناس وتُدمِّر المجتمع، وتعتقل العناصر التي تهدد السلم الداخلي والتي تشترك قسرا في مراكز للتأهيل حتى تعي حجم خطأها وجرمها لتخرج عضوا صالحا للمجتمع ولا تقترب للكتب مرة أخرى.

يبدو أن مهارة "مونتاج" في وظيفته أهلته أن يعطي دروس لضباط المطافئ الجدد عن كيفية اكتشاف الأماكن التي يستخدمها المارقين في إخفاء الكتب، ولأنه بارع فقد أعطى كل ضابط كتابا وطلب منهم تخبئته وله فلسفة منطقية: "لكي تجد يجب أن تعرف كيف تُخفي".

في لحظة غريبة وبحافز غير مفهوم يقرر "مونتاج" أن يُخفي أحد الكتب التي وُجدت لدى أحد الأشخاص لتكون قصة "ديفيد كوبرفيلد" ولأنه اعتاد قراءة مطبوعات النظام، نجده يبدأ في قراءة الرواية كطفل مازال يحبو في عالم المعرفة.

على الجانب الآخر هناك رجال المطافئ لا يألون جهدا في حرق كل ما تطاله أيديهم من مطبوعات حتى لو كان كتاب صغير في حجم كرة البينج بونج.

وأثناء مناقشتها مع "مونتاج" حول أزمتها ووقفها عن العمل يتابعان رجل يقف مترددا أمام صندوق للبريد قبل أن يحسم موقفه بإلقاء الظرف بداخله، ليستنتج أن الرجل غالبا يُبلِّغ عن أحد حائزي الكتب وأن دوافعه ربما كانت للتخلص من جاره المزعج، أو غيرة من أخيه غير الشقيق بل وربما من أمه!!

في مشهد آخر ذو دلالة ينطلق رجال الإطفاء ويلمحهم صبي صغير بصحبة أمه ليقول لها في جملة يناقض آخرها أولها: "رجال المطافئ.. لابد أن هناك حريقا سيشتعل"

تتوالى المواقف في حياة "مونتاج" لتأخد أفكاره ونظرته منحنى وأُفُقا جديدين خاصة مع سيدة تُقرر الاحتراق مع كتبها في ثبات يذهله ويذهل الجميع.

يحدث التقارب الثقافي بين المُدرسة و"مونتاج"؛ لتخبره عن أحد أسرارها المتعلقة بالكتب ويخبرها هو عن خططته لمواجهة رجال الإطفاء.

وهنا؛ أتركك لتشاهد الفيلم بنفسك، لكني أرصد لك ما وجدت فيه من دلالات وتشابهات بين ما سطره كاتب الرواية في منتصف القرن الماضي وبين ما نعيشه.

نحن نحتكر الحقيقة

أغلب الناس استبدلت الكتب بالتليفزيون، أصبح هو مصدر المعلومات الموثوق والاعتماد الكامل على أهل الثقة من مذيعي برامج التوك شو وليس لأهل الكفاءة. خيال "راي برادلي" أصبح واقعا لأن السيطرة على الجاهل أسهل بأشواط من السيطرة على صاحب البصيرة.

نفس الشهوة لدى كثير من النخب والمدعين من المشاهير، غير مسموح أن تناقش فكرته أو توجهه، هو صاحب الفكر الأوحد محتكر الحقيقة، وعلى أفضل الأحوال سيقابل عدم قناعتك بأفكاره أو تدليسه بـ "بلوك" وربما بعد أن تنال قسطا معتبرا من الشتائم.

في عصرنا الحالي؛ مجتمع "مونتاج" موجود في كل برامج التوك شو في الدول المستبدة التي يحكمها فرد واحد يمتلك كل مُقومات القوة.. فكر واحد ورؤية واحدة، كل قنوات التليفزيون العامة والخاصة تعزف نفس المقطوعة.. فُلان مثل علَّان من مُقدمي البرامج.. التعليمات تصل للجميع من خلال جهاز التليفون الذكي؛ سامسونج أو هاواوي أو آبل.. الاختلاف الوحيد هو طريقة كل واحد منهم في إيصال التعليمات للشريحة التي تتابعه وتسمع له وتصدقه.

اعتقل صحفيين وعذبهم، اعزل البعض وارفع من قدر البعض، بدل وجوه بوجوه لكن بالنهاية هو سيناريو واحد يخرج من مكان واحد يسبح للزعيم الأوحد ويصب جام غضبه على الوزراء وما هم دونهم. أي معارض هو عميل وخائن لدول وأجهزة ومنظمات لا تتناول فطورها قبل التخطيط لهدم البلد، والتي وإن أحسنوا خططهم فلن ينجحوا في تخريبها بقدر القائمين عليها.

هناك تشويه متعمد للتاريخ يتم تسجيل وجهة نظر النظام المستبد فيه فقط، يُلوى عنق الحقيقة عيانا بيانا، حتى التاريخ الذي عشناه وعاصرناه بتفاصيله، يتم تغيير المناهج الدراسية لينشأ جيل يُورِّث جيلا آخر الجهل وفن التطبيل للأنظمة المستبدة.

املأ أدمغة الناس بمعلومات تافهة أو بسيطة، دشِّن مسابقات تافهة بأسئلة سخيفة سهلة عن أسماء عواصم الدول مثلا، أو مُلَحِّن أغنية أو بطل فيلم، وامنح جوائز مادية وعينية ليشعروا أنهم مثقفون أذكياء.. وهو ما كانت تعيش فيه زوجة "مونتاج" بكل تفاصيله.

الثقة في مصدر المعلومة تغلَّبت على طلب الحقيقة نفسها مجردة، تجد حولك من يجيدون خلق المنشورات والتغريدات المغلوطة سواء بصورة أو بمقطع فيديو بحثا عن تفاعل كبير سريع حتى لو سيؤثر بالسلب طالما هناك من يصدق وينشر ويتداول.

"ليندا" زوجة "مونتاج" هي نموذج حي لما تراه حولك من أناس تم غسل أدمغتها، لا تتورع عن اتهام من يحاول إظهار الحقيقة أو تبيانها بالخيانة. هي نموذج للرؤية الأحادية والتي تكيل نفس اتهامات النظام لأي شخص يحاول النقاش بالعقل والمنطق أو بنشر معلومة حقيقية.

"مونتاج" في نظر النظام - عن طريق إعلامه - أصبح عضوا فاسدا كاذبا يهدد سلامة المجتمع وأمنه حتى إن تم قتله لا يجد له بواكي. "مونتاج" الذي كان بطلا بالأمس وينتظر الترقية حين أفاق من غيبوبته أصبح في لحظة العدو المارق والعنصر الخطير الذي يجب التخلص منه، ولو نظرتم في حال الدول العسكرية المستبدة لوجدتم مئات الأسماء ممن كانوا أبطالا بالأمس، ومُخرِّبين اليوم.

مصير محتوم

مصير "مونتاج" سواء بالتشويه، بالاختفاء القسري، بالاعتقال أو حتى بالإعدام، هو مصير كل رافض للظلم، رافض أن تكون مهمة جيشه بيع الخضر والفاكهة وإنتاج الجمبري.

مصير "مونتاج" هو مصير من يرى أن مكان جيشه الثكنات والحدود وأن يترك إدارة البلاد لشعبها، أن يبتعد عن شئون الدولة والبيزنس.

مصير "مونتاج" هو مصير من يحلم بتعليم حقيقي، بحق الناس في المعرفة، كل أنواع المعرفة وأن تختار بنفسها ما تميل إليه من وجهات النظر دون أن تتهم بالخيانة والعمالة أو يصيبها الخوف إن تفوهت بكلمة.

مصير "مونتاج" هو مصير كل من يحلم باختفاء سجناء الرأي، إن لم تعجبك فكرة قم بتفنيدها، ناقش صاحبها، مقال مقابل مقال، كتاب مقابل كتاب، فيلم مقابل فيلم.. إلخ.

تبقى ملحوظة أخيرة لكنها مهمة ولها دلالتها، الممثلة التي لعبت دور زوجة "مونتاج" هي نفس الممثلة التي لعبت دور "المدرسة"، وكأن المخرج أراد أن يقول أن الناس تتشابه في الشكل، نسخ تتكرر حد التماثل، أما ما يصنع الفارق هو الوعي، العقل والفهم وليس أن تكون نموذج متكرر من الباقيين، ألا تردد كالببغاء ما يقال أمامك. هناك عضو في جسدك يدعى "العقل" عليك باستخدامه والتدبر لا أن تسير كغيرك من القطيع.

يذكر أن الفيلم رشح لجائزة حسن فيلم في مهرجان البافتا البريطاني، وجائزة الدب الذهبي لمهرجان فينيسيا الإيطالي وكذلك مهرجان هوجو المتخصص في دراما الخيال العلمي.


اقرأ أيضا: القلعة الأخيرة | كيف تُحدِث تغييرا وثورة؟!

COMMENTS

الاسم

اتجاهات وأفكار,4,أحداث من التاريخ,2,أخبارعلمية,1,أسرار تاريخية,12,أعمال مترجمة,3,اقتصاد,3,اقتصاد عالمي,3,الشرق الأوسط,3,أمام العدسة,5,تاريخ,20,تحليلات إخبارية,14,ترجمات علمية,2,ثقافة وأدب,26,حكايات أدبية,4,دراسات ثقافية وأدبية,6,دراماتيك,8,روايات وكتب,6,رياضة,6,سياسة,30,سينما,8,شؤون مصرية,3,شخصيات تاريخية,6,شعر ونثر,10,علوم وتكنولوجيا,9,فلك وفضاء,3,فنون وسينما,20,قضايا معاصرة,13,كرة قدم,6,كمبيوتر وإنترنت,1,مسارات مختلفة,2,مساهمات القراء,13,مقالات وتحليلات,38,ملفات سياسية,30,
rtl
item
صفحة أخيرة: دراماتيك | الـBookman ودرجة حرارة 451 فهرنهايت
دراماتيك | الـBookman ودرجة حرارة 451 فهرنهايت
بدأت المُدرِّسة حوارها معه عن سر رقم 451 المكتوب على زي رجال المطافئ فيخبرها أنها درجة الحرارة بمقياس فهرنهايت والتي تحترق عنده الكتب وتتحول إلى رماد
https://1.bp.blogspot.com/-2riLKxIhUTk/X_HSar_nMWI/AAAAAAAAFoA/_UiueQZtdespDqL40Fa4Rov_uX_UPe3YACLcBGAsYHQ/w640-h360/451%2B%25D9%2581%25D9%2587%25D8%25B1%25D9%2586%25D9%2587%25D8%25A7%25D9%258A%25D8%25AA.jpg
https://1.bp.blogspot.com/-2riLKxIhUTk/X_HSar_nMWI/AAAAAAAAFoA/_UiueQZtdespDqL40Fa4Rov_uX_UPe3YACLcBGAsYHQ/s72-w640-c-h360/451%2B%25D9%2581%25D9%2587%25D8%25B1%25D9%2586%25D9%2587%25D8%25A7%25D9%258A%25D8%25AA.jpg
صفحة أخيرة
https://www.saf7a-a5era.com/2021/01/Fahrenheit-451.html
https://www.saf7a-a5era.com/
https://www.saf7a-a5era.com/
https://www.saf7a-a5era.com/2021/01/Fahrenheit-451.html
true
4387532385212111926
UTF-8
Loaded All Posts Not found any posts VIEW ALL Readmore Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS View All RECOMMENDED FOR YOU LABEL ARCHIVE SEARCH ALL POSTS Not found any post match with your request Back Home Sunday Monday Tuesday Wednesday Thursday Friday Saturday Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS PREMIUM CONTENT IS LOCKED STEP 1: Share to a social network STEP 2: Click the link on your social network Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy Table of Content