أصفر | فوضى في أتوبيس عبود (محاكاة مشوشة)

SHARE:

يمكنك أن تستلهم ما قاله "إمبرتو إيكو" عن تأثير السوشيال ميديا وإتاحة الفرصة للأغبياء في الحديث وكأنهم علماء وأنَّ الأمر أصبح بمثابة "غزو البلهاء"

أصفر | فوضى في أتوبيس عبود (محاكاة مشوشة)

(بقلم/ زيتون)

أصفر | فوضى في أتوبيس عبود (محاكاة مشوشة)
فوضى في أتوبيس عام

الربط بين السينما والواقع من وجهة نظر المشاهد هي واحدة من الهوايات المفضلة لدى البعض، وأنا منهم. قد لا يكون مقصوداً من مخرج العمل أو المؤلف تلك الإسقاطات المتنوعة؛ التي يمكن أن تفهمها أنت كمشاهد وتربطها بالواقع المحيط أو أن تلوح لك في الأفق أي محاكاة لهذا العمل وتشبيهها بما تراه في يومك. لكن بما أن العمل السينمائي ينطوي على الإبداع في كل مكوناته -وتباين القدرة على هذا الإبداع ليست محل خلاف- فإن للمشاهد كل الحق في توجيه ما يترسخ في وجدانه إثر مشاهدة العمل وإسقاطه أينما أراد، فالمشاهدة عمل إبداعي لا يقل في قيمته عن العمل الدرامي.

أحببت أن أسرد محاكاة -ولو مشوَّشة- لأحد روائع السينما العالمية وهو فيلم إثنى عشر رجلاً غاضباً، بطولة "هنري فوندا" في شخصية "ديفيس" وإخراج "سيدني لوميت". دار في ذهني أثناء مشاهدة الفيلم هذا السؤال:

ماذا لو ركب "ديفيس" سيارة المحافظات من موقف عبود ومعه في هذه السيارة إثنى عشر رجلا تتباين طبائعهم، ميولهم الفكرية وبالطبع أخلاقهم؛ ثم طُرح موضوع نقاشي ما بين الركاب، كيف يكون هذا النقاش وتفاصيله؟ هل سيشبه ذلك النقاش في الفيلم المذكور؟

اقرأ أيضاً: أصفر | مخلل ما بعد الحداثة

لا أملك رأيا خاصّا بي، بل أملك شكّا في قناعاتكم!

 

أصفر | فوضى في أتوبيس عبود (محاكاة مشوشة)
هنري فوندا في دور ديفيس

واحدة من أجمل الأفكار في هذا العمل هي الطريقة التي طرح بها "ديفيس" رأيه في أن الولد غير مذنب، فلم يشرع في تبرير رأيه بأنه قناعة ومبدأ، بل قرّر أنَّ ذلك مبني على الاحتمالية الممكنة والشك المعقول أو The reasonable doubt  و بعض العوار الظاهر في أدلة الحكم على الولد بأنه مذنب.

تُرى لو أن "ديفيس" في ميكروباص عبود، هل يمكن أن يطرح رأيه سوى بطريقة الشك المعقول؟ في مجتمع يرى أغلب أطيافه في أنفسهم محلليين كرويين بارعين، خبراء سياسة وطب محنكين، فقهاء وفنانين لا يُشق لهم غبار؛ هل يمكنك أن تطرح رأياً ظاهره لكل الناس أنه الصواب والمعتقد الصحيح؟ الإجابة: حتما لا. ولا أرى سوى أن تضع لمن تتناقش معه الشكوك المعقولة التي تحوم حول ما يطرح من أراء. ومن ثَم فإن المسئولية تقع كاملة عليه، على تنزيه ما يقول وتنقيته من الشكوك؛ حينئذ فلا مشاحة في أن تقارن رأيه برأيك وتقرر بلا تحيز أيهما خطأ أو صواب.

ففي مجتمع يسيطر على صناعة وعيه وعقله منظومة إعلامية بالية منذ عشرات السنين يمكنك أن تستلهم ما قاله الإيطالي "إمبرتو إيكو" عن تأثير  السوشيال ميديا وإتاحة الفرصة للأغبياء في الحديث وكأنهم علماء وأنَّ الأمر أصبح بمثابة "غزو البُلهاء" وتقارن هذا الوصف والتأثير بما صنعه الإعلام المصري منذ حقبة الثمانينات مثلاً، حيث اختار الدعايا المعلبة والقناعات السطحية ليزرعها في عقول الناس بدلاً من العمل على صناعة ظهير شعبي يمتلك وعياً كافياً يُشكّل حائط صد للبلاد وقت أزماتها.

اقرأ أيضاً: صراعات الحياة الزوجية | ونسيت أني امرأة

بعد الشك المعقول، إدراك صعوبة المسئولية

أصفر | فوضى في أتوبيس عبود (محاكاة مشوشة)
سيدني لوميت مخرج الفيلم

بعد مرور نصف ساعة من الفيلم والجدال حول صحة موقف "ديفيس" من براءة الولد، دعا "ديفيس" إلى تصويت سري يكون هو خارجه، تصويت سري لا يُعرَف فيه صاحب الصوت! فقط اكتب صوتك في ورقة ولا شئ آخر. لقد طرح ديفيس الاحتمالية إلي عقولهم، وتركها تعبث بأفكارهم. فلربما يقبل البعض منهم ذلك العبث الخفيّ وينتبه إلى أنَّ أفعال البشر وأفكارهم تخضع للصواب والخطأ وأنَّ تفنيد الإدعاء بصحة شئ ما ومناقشته حتى لو كان ظاهره الصواب المطلق؛ ليس جريمة!. وأنَّ الحديث حول تقرير مصير فرد ما، أسرة، مجتمع أو أمة ليس شيئاّ سهلاّ بل يستوجب التأني والتفكّر.

هذا ما سيفشل فيه "ديفيس" لو حاول فعله في الميكروباص. فالإقتراع السري هو عبارة عن ترك الفرد في حالة صراحة تامة بين الإنسان وأفكاره، لكن الحالة المصرية -وإن شئت قل العربية- وصلت إلى درجة صعبة صار فيها الكذب قناعة شخصية لا يمكن نقدها! صار الكِبر  فيها حاكماً على معتقدات الفرد وليست الحقيقة. لا يمكن "لديفيس" أن يقول لركاب الميكروباص كما قال لهيئة المحلفين: " إن التحيّز يحجب الحقيقة دائما.. لا أعرف حقا ما هي الحقيقة، لكن لدينا شك مقبول، وهذا شئ ثمين". ستكون مقولته في جنبات الميكروباص همهمات غير مفهومة ولا قيمة لها.

إن الأصعب في تقرير المصائر هو درء المفسدة وسد الذريعة وقطع الطريق على كل ضرر، أمَّا الأسهل فيه فهو طرح الرؤى الوردية والأفكار الحالمة. لكن المصائر تتبدل بالإحتمالات الضعيفة، بالتفاصيل المخبوءة، وبخضوع التقديرات الفردية للمراجعة بعيداً عن هوى النفس والتحيزات الشخصية. وهو ما لن تجد -أو قل يندر- من يقبله.. في ميكروباص عبود.

شخصية لن تجدها في المكيروباص.. غالباً.

أربعيني، عريض الجبهة يتناسب شاربه مع ملامحه، ظل صامتاً لمدة طويلة في الفيلم -نصف ساعة تقريبا- ثم تحدث مغيّرا رأيه إلى أن الولد غير مذنب. لكن حديثه  وهو ممسك بالورقة والقلم يجعلك تدرك سبب صمته. بعدما اعترض البعض على تغيير رأيه قال ببساطة: "أنا لا أنحاز، أنا أطرح أسئلة". أنا أحب هذا النوع من الشخصيات، أن يستمع ويحلل ويفكر ثم ببساطة يتخذ قرار خالياً من الشك. على عكس ذلك الرجل صاحب النظارات الذي بدأ يتعرق عندما تعرضت وجهة نظره للعوار بعد تفنيد ضعفها من عجوز سبعيني وكأن الأمر شخصي!. الرجل الأربعيني بعدما طرح وجهة نظره ودبت حالة من المشاحنة في المكان قال: "لسنا هنا لنتشاجر، نحن هنا لأننا لدينا مسئولية".

لن تجد تلك الشخصية في المكيروباص، أن تجد من يعرض رأياً أو يختلف معك إنطلاقاً من مسئولته تجاه من حوله ومتجرداً من تحيزاته الشخصية! لا أظن ذلك. بل المثير في الأمر أنك قد تجد من يعرض رأياً أو وجهة نظر فيها أغلب الصواب والصحة ويستند إلى التحيز الشخصي قبل المنطق والعقل أو أي مرجعية مقبولة!

خاتمة.. ولكن

تفاصيل كثيرة وشخصيات متعددة ستجدها في هذا الفيلم وستجد تشابهاً كبيراً بينها وبين ركاب ميكروباص عبود. ينتهي الفيلم نهاية سعيدة للولد و"لديفيس" الذي نجح في إقناع باقي الأفراد بـ(الشك المقبول).

لكن لو كان "ديفيس" في الميكروباص، فلن يجرؤ على الجدال والنقاش لمدة 5 دقائق فقط، تجنباً لإثارة أي فوضى لا يُعلم عاقبتها.. في أتوبيس عبود.


لكن ما خرجت به من هذا العمل هو أنَّ حتى تنجح في بناء قاعدة مؤمنة بفكرة ما، فأنت تحتاج إلى استغلال مساحة الصدق الداخلي فيهم، تحتاج إلى نقاش خالي من التحيز، تحتاج إلى وضعهم في حالة تساؤل واستثارة الفضول لديهم، وأن تعمل على اكتسابهم ولو فرداً فرداً.. تحتاج إلى أن تفكّر: هل يمكن أصلاً أن ترى ديفيس في أتوبيس عبود؟

COMMENTS

الاسم

اتجاهات وأفكار,4,أحداث من التاريخ,2,أخبارعلمية,1,أسرار تاريخية,12,أعمال مترجمة,3,اقتصاد,3,اقتصاد عالمي,3,الشرق الأوسط,3,أمام العدسة,5,تاريخ,20,تحليلات إخبارية,14,ترجمات علمية,2,ثقافة وأدب,26,حكايات أدبية,4,دراسات ثقافية وأدبية,6,دراماتيك,8,روايات وكتب,6,رياضة,6,سياسة,30,سينما,8,شؤون مصرية,3,شخصيات تاريخية,6,شعر ونثر,10,علوم وتكنولوجيا,9,فلك وفضاء,3,فنون وسينما,20,قضايا معاصرة,13,كرة قدم,6,كمبيوتر وإنترنت,1,مسارات مختلفة,2,مساهمات القراء,13,مقالات وتحليلات,38,ملفات سياسية,30,
rtl
item
صفحة أخيرة: أصفر | فوضى في أتوبيس عبود (محاكاة مشوشة)
أصفر | فوضى في أتوبيس عبود (محاكاة مشوشة)
يمكنك أن تستلهم ما قاله "إمبرتو إيكو" عن تأثير السوشيال ميديا وإتاحة الفرصة للأغبياء في الحديث وكأنهم علماء وأنَّ الأمر أصبح بمثابة "غزو البلهاء"
https://1.bp.blogspot.com/-Go46vmVoD-g/YBgcCX9pQQI/AAAAAAAAAeY/3VYJighsBUMehIPVkGug05MWcx7cK1JQwCLcBGAsYHQ/w640-h320/WhatsApp%2BImage%2B2021-01-13%2Bat%2B8.37.55%2BAM.jpeg
https://1.bp.blogspot.com/-Go46vmVoD-g/YBgcCX9pQQI/AAAAAAAAAeY/3VYJighsBUMehIPVkGug05MWcx7cK1JQwCLcBGAsYHQ/s72-w640-c-h320/WhatsApp%2BImage%2B2021-01-13%2Bat%2B8.37.55%2BAM.jpeg
صفحة أخيرة
https://www.saf7a-a5era.com/2021/02/yellow-chaos-bus.html
https://www.saf7a-a5era.com/
https://www.saf7a-a5era.com/
https://www.saf7a-a5era.com/2021/02/yellow-chaos-bus.html
true
4387532385212111926
UTF-8
Loaded All Posts Not found any posts VIEW ALL Readmore Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS View All RECOMMENDED FOR YOU LABEL ARCHIVE SEARCH ALL POSTS Not found any post match with your request Back Home Sunday Monday Tuesday Wednesday Thursday Friday Saturday Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS PREMIUM CONTENT IS LOCKED STEP 1: Share to a social network STEP 2: Click the link on your social network Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy Table of Content