عبد الله بن ياسين: مؤسس حركة المرابطين وكيف قامت دولتهم

SHARE:

من هو عبد الله بن ياسين؟ تعرف إلى دوره في نشأة المرابطين بين قبائل صنهاجة، وقصة الرباط، وعلاقته بأبي بكر بن عمر ويوسف بن تاشفين وتاريخ وفاته.

بقلم: سيرجي كوربوف

في تاريخ الأمم، تظهر أحيانًا شخصيات تستطيع تحويل ظروف شديدة الصعوبة إلى بداية تحول كبير. لا تفعل ذلك بقوة شخصيتها وحدها، وإنما بقدرتها على جمع الناس حول فكرة، وإقناعهم بها، ثم بناء تنظيم يستطيع الاستمرار بعد غياب صاحبه.

ومن الشخصيات التي ارتبط اسمها بهذه التحولات الفقيه عبد الله بن ياسين، الذي كان أحد أبرز مؤسسي حركة المرابطين في القرن الخامس الهجري، الموافق للحادي عشر الميلادي.

بدأت الحركة بين قبائل صنهاجة الأمازيغية في الصحراء الغربية، ثم تحولت تدريجيًا إلى قوة دينية وسياسية وعسكرية. وبعد وفاة ابن ياسين، واصل قادتها توسعهم حتى ظهرت دولة المرابطين التي حكمت أجزاء واسعة من المغرب والأندلس.

لكن قصة عبد الله بن ياسين ليست مجرد حكاية رجل واجه الصعوبات وانتصر عليها. إنها أيضًا قصة قبائل وتحالفات وصراعات ومصالح تجارية ودعوة دينية، اجتمعت كلها في مرحلة تاريخية مضطربة.

فمن كان عبد الله بن ياسين؟ وكيف بدأت دعوته؟ وما حقيقة قصة الرباط الذي ارتبط باسم المرابطين؟ ولماذا يُعد من مؤسسي الدولة رغم أنه لم يشهد توسعها الكبير في الأندلس؟


تصور تاريخي لبدايات حركة المرابطين في الصحراء الغربية ومجلس للتعليم بالقرب من خيام صنهاجة وقافلة تجارية
تصور فني لبدايات حركة المرابطين في الصحراء.

من هو عبد الله بن ياسين؟

عبد الله بن ياسين الجزولي فقيه ارتبط بالمذهب المالكي، وعاش في النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي، واشتهر بدوره في تأسيس الحركة الدينية والسياسية التي عُرفت باسم المرابطين.

تربطه المصادر التاريخية ببيئة المغرب الأقصى، وخصوصًا منطقة سوس، وتختلف الروايات في بعض تفاصيل نسبه ونشأته وتعليمه.

ولا نملك تاريخًا موثقًا لميلاده، كما أن المعلومات المتعلقة بحياته قبل ظهوره بين قبائل الصحراء أقل وضوحًا من الأخبار التي تتناول نشاطه اللاحق.

وتشير روايات تاريخية إلى اتصاله بالفقيه وجاج بن زلو اللمطي، الذي ارتبطت به مؤسسة تعليمية عُرفت باسم «دار المرابطين» في منطقة سوس.

وقد ساعد هذا المحيط العلمي في تكوين ابن ياسين، الذي حمل تصورًا دينيًا يدعو إلى الالتزام بتعاليم الإسلام كما فهمها فقهاء المالكية في عصره.

لكن أهمية الرجل التاريخية لا ترجع إلى تعليمه الفقهي وحده. فقد انتقل من النشاط الديني إلى قيادة حركة ارتبطت بتحولات سياسية وعسكرية كبرى في غرب أفريقيا والمغرب.

كيف بدأت قصة عبد الله بن ياسين مع قبائل صنهاجة؟

لفهم ظهور ابن ياسين، ينبغي أن نعرف شيئًا عن الصحراء الغربية في القرن الحادي عشر.

كانت المنطقة تضم قبائل أمازيغية متعددة، ومن أبرزها فروع اتحادية صنهاجة، مثل جدالة ولمتونة ومسوفة.

ولم تكن هذه القبائل معزولة عن العالم المحيط بها؛ فقد ارتبطت بحركة القوافل والتجارة عبر الصحراء، وكانت لها علاقات وصراعات مع القوى الموجودة في المغرب ومناطق الساحل الأفريقي.

وتروي المصادر أن زعيمًا صنهاجيًا يُدعى يحيى بن إبراهيم الجدالي رغب في الاستعانة بفقيه يساعد قومه على تعلم الأحكام الدينية وتنظيم حياتهم وفقها.

وتربط الروايات هذه المبادرة باتصاله بأبي عمران الفاسي، وهو عالم مالكي اشتهر بالقيروان، ثم بترشيح عبد الله بن ياسين من خلال وجاج بن زلو.

ولا تتفق المصادر على جميع تفاصيل الرحلة والأسماء والأدوار، ولذلك لا يصح اختزالها في صورة بسيطة تقول إن ابن ياسين كان يدرّس في القيروان، ثم انتقل منها مباشرة إلى الصحراء.

الأقرب إلى ما تقدمه الدراسات التاريخية هو أن الدعوة نشأت من اتصال بين زعماء صنهاجة وشبكة من العلماء المالكية في المغرب والقيروان، وكان عبد الله بن ياسين أحد الأشخاص الذين وقع عليهم الاختيار لهذه المهمة.

وهكذا بدأت رحلة ستتجاوز نتائجها كثيرًا من الهدف الأول الذي ارتبط بها.

لماذا واجه عبد الله بن ياسين معارضة في بداية دعوته؟

وصل ابن ياسين إلى مجتمع له عاداته وتقاليده وترتيباته القبلية، ولم يكن مجرد مجموعة تنتظر معلمًا جديدًا كي تتبعه دون نقاش.

حاول فرض التزام ديني صارم وفق فهمه للمذهب المالكي، وربط هذا الالتزام بنظام من الانضباط والعقوبات.

لكن تدخلاته لم تكن مقبولة لدى الجميع.

فقد اصطدمت دعوته بمصالح بعض الزعماء والعادات القائمة، وأدت الصرامة التي مارسها إلى خلافات مع جماعات داخل القبائل التي بدأ العمل بينها.

وتروي المصادر أنه اضطر إلى الابتعاد بعد اشتداد المعارضة له.

ومن السهل أن نقرأ هذه المرحلة بوصفها صراعًا بين مصلح وأصحاب مصالح، لكنها كانت أكثر تعقيدًا من ذلك.

فقد تداخل فيها الخلاف الديني مع التنافس القبلي والسياسي، كما اختلف الأشخاص المعنيون حول حدود سلطة الفقيه في تنظيم المجتمع.

ولا ينبغي أن نعامل كل من عارض ابن ياسين باعتباره بالضرورة معاديًا للدين، أو نفترض أن الحركة كانت خالية من الصراعات الداخلية.

تلك التعقيدات هي جزء من التاريخ الحقيقي للحركة، وليست تفصيلًا يمكن تجاهله عند محاولة فهم أسباب صعودها.

ما حقيقة رباط عبد الله بن ياسين؟

تروي قصة شهيرة أن ابن ياسين اعتزل مع عدد من أتباعه في رباط بعيد، ربما على جزيرة قرب منطقة نهر السنغال، وأن أعداد المنضمين إليه زادت تدريجيًا حتى أصبحوا نواة جماعة المرابطين.

وقد أصبحت هذه القصة واحدة من أشهر الروايات المتعلقة بنشأة الحركة.

لكن المؤرخين لا يتفقون على تاريخيتها بالصورة المتداولة.

ففي دراسة نشرها الباحث H. T. Norris في مجلة «التاريخ الأفريقي» الصادرة عن جامعة كامبريدج، قارن بين أخبار البكري وما ورد في ترجمة عبد الله بن ياسين لدى القاضي عياض.

وأشار الباحث إلى أن رواية القاضي عياض لا تذكر رباطًا منعزلًا على جزيرة، وأن هذا الاختلاف يثير شكوكًا بشأن التعامل مع قصة الجزيرة باعتبارها حقيقة تاريخية مؤكدة.

كما أبرزت الدراسة أهمية «دار المرابطين» المرتبطة بوجاج بن زلو، وهو ما يفتح احتمالًا بأن تكون بعض تفاصيل قصة النشأة قد اختلطت خلال نقل الأخبار.

لذلك يمكن القول إن فكرة الرباط والانضباط الجماعي ارتبطت بقوة بتاريخ المرابطين، لكن الموقع الجغرافي الدقيق لرباط الجزيرة وتفاصيل تأسيسه تظل موضع نقاش تاريخي.

ولا يقلل هذا من أهمية التنظيم الذي ظهر في الصحراء، بل يساعد على التمييز بين الصورة التراثية المشهورة وما يمكن إثباته بدرجة أعلى من الثقة.

لماذا سُمّي المرابطون بهذا الاسم؟

يرتبط اسم المرابطين بكلمة «الرباط»، التي كانت تُستخدم في التاريخ الإسلامي للدلالة على مواضع الإقامة والحراسة والعبادة والتنظيم العسكري في بعض السياقات.

وأُطلق وصف «المرابطين» على الجماعة التي نشأت حول الدعوة الجديدة، ثم أصبح اسمًا للحركة والقوة السياسية والدولة التي تشكلت لاحقًا.

لكن لا ينبغي اعتبار اسم الحركة دليلًا حاسمًا على وجود رباط معين في جزيرة محددة.

فاسم المرابطين يخبرنا عن الهوية التي ارتبطت بالجماعة، أما تفاصيل النشأة الجغرافية فتحتاج إلى أدلة تاريخية مستقلة.

كيف تحولت دعوة عبد الله بن ياسين إلى قوة سياسية وعسكرية؟

لم يبق نشاط ابن ياسين محصورًا في التعليم والوعظ.

فقد تطورت الحركة إلى تنظيم يعتمد على الانضباط الديني والتحالفات القبلية والقدرة العسكرية.

وشارك في قيادتها رجال من صنهاجة، كان لبعضهم نفوذ قبلي وخبرة في القتال وإدارة العلاقات بين المجموعات الصحراوية.

ومع توسع الحركة، أصبحت السيطرة على طرق التجارة والمراكز المهمة في الصحراء والمغرب جزءًا من طبيعة الصراع.

وكانت الصحراء آنذاك طريقًا تجاريًا كبيرًا يربط شمال أفريقيا بمناطق جنوب الصحراء، وتتحرك عبره سلع وموارد مختلفة، من بينها الذهب والملح ومنتجات أخرى.

ولهذا لم يكن الصراع حول الدين وحده؛ بل ارتبط أيضًا بمن يملك القدرة على حماية القوافل والتحكم في المراكز التجارية وإدارة المجال الصحراوي.

واتخذت الحركة طابعًا عسكريًا واضحًا، واستخدمت القوة لإخضاع جماعات ومناطق مختلفة.

ومن المهم الاعتراف بهذا الجانب، حتى عند تقدير أثرها في تاريخ المغرب الإسلامي. فقد جمعت تجربة المرابطين بين الدعوة الدينية وبناء الدولة والحروب وفرض السلطة.

وهذا ما يجعل دراستها أكثر فائدة من الاكتفاء بصورة مثالية عن جماعة من الصالحين انتصرت دون صراعات أو أخطاء.

يحيى بن عمر اللمتوني ودوره في قيام المرابطين

لا يمكن فهم بداية المرابطين دون الحديث عن يحيى بن عمر اللمتوني، أحد أبرز القادة العسكريين في المرحلة المبكرة.

فبعد الاضطرابات التي شهدتها علاقة الحركة ببعض عناصر جدالة، برز دور لمتونة بصورة أكبر في قيادتها العسكرية.

وكان يحيى بن عمر من الشخصيات التي ساهمت في تنظيم القوة القتالية للمرابطين وتوسيع نفوذها.

وهنا يظهر أحد عناصر نجاح الحركة: لم يعتمد عبد الله بن ياسين على مكانته بوصفه فقيهًا وحدها، بل ارتبط بقادة قبليين وعسكريين استطاعوا تحويل التنظيم الديني إلى قوة قادرة على التحرك والسيطرة.

وتوفي يحيى بن عمر سنة 1056م تقريبًا، وانتقلت القيادة العسكرية بعده إلى أخيه أبي بكر بن عمر.

ويُظهر هذا التعاقب أن المرابطين لم يكونوا مشروع رجل واحد، بل حركة تطورت من خلال تعاون شخصيات متعددة، لكل منها دور مختلف في مراحل التأسيس والتوسع.

أبو بكر بن عمر: القائد الذي واصل بناء الدولة

برز أبو بكر بن عمر اللمتوني بعد وفاة أخيه يحيى، وأصبح أحد أهم القادة العسكريين والسياسيين في تاريخ المرابطين.

شارك في مواصلة التوسع في المغرب، ثم ارتبط اسمه بإدارة الحركة والصراعات التي امتدت بين المجال الصحراوي والمناطق الشمالية.

وقد أدى هذا الاتساع إلى مواجهة مشكلة يعرفها كل من يدرس نشأة الدول: كيف تستطيع قيادة واحدة إدارة أراضٍ بعيدة، وقبائل ذات مصالح مختلفة، ومراكز تجارية ومدن متفرقة؟

ولم يكن الحل قائمًا على الشجاعة الشخصية وحدها، بل على توزيع الأدوار وتنظيم القيادة.

وفي مرحلة لاحقة، ترك أبو بكر بن عمر إدارة الشمال لابن عمه يوسف بن تاشفين عندما عاد إلى الجنوب لمعالجة أوضاعه.

وقد كان لهذا القرار أثر كبير في تاريخ الحركة؛ إذ منح يوسف بن تاشفين المجال الذي استطاع من خلاله تثبيت سلطته وتوسيع الدولة في المغرب.

وبذلك كان أبو بكر بن عمر حلقة أساسية بين مرحلة التأسيس الديني والعسكري الأولى وبين مرحلة الدولة الأكثر اتساعًا واستقرارًا نسبيًا.

عبد الله بن ياسين وطرق التجارة عبر الصحراء

لفهم أهمية حركة المرابطين، علينا ألا ننظر إلى الصحراء كما لو كانت فراغًا واسعًا لا يحدث فيه شيء.

فقد كانت طرق القوافل تربط مدن المغرب بمناطق في الساحل الأفريقي، وتنقل سلعًا ذات قيمة اقتصادية كبيرة.

وكانت مدينة سجلماسة من أهم المراكز الواقعة على الأطراف الشمالية لشبكات التجارة الصحراوية، بينما مثلت أوداغست وغيرها من المراكز الجنوبية نقاطًا مؤثرة في تلك الشبكات.

وشهد منتصف القرن الحادي عشر صراعًا على هذه المواقع، ونجح المرابطون في توسيع نفوذهم على أجزاء من الطرق التي تربط الشمال بالجنوب.

وتوضح الدراسات التاريخية أن هذه المصالح الاقتصادية ساعدت في تشكيل التحالفات والخصومات، إلى جانب الأهداف الدينية التي أعلنتها الحركة.

وكان ذلك من أسباب تحول جماعة بدأت في محيط قبلي صحراوي إلى قوة قادرة على التأثير في المجال المغربي الأوسع.

فمن يريد بناء دولة يحتاج إلى أكثر من مقاتلين متحمسين؛ يحتاج أيضًا إلى موارد واتصالات ومراكز يستطيع من خلالها تنظيم الحكم والحركة والتجارة.

متى توفي عبد الله بن ياسين؟ وكيف مات؟

تذكر غالبية المراجع التاريخية الحديثة أن عبد الله بن ياسين توفي سنة 451هـ، الموافقة تقريبًا لعام 1059م.

وترتبط وفاته بالحملة العسكرية ضد برغواطة في منطقة تامسنا بالمغرب، حيث أصيب بجراح أدت إلى موته، وفق الروايات التاريخية المتداولة.

وتوجد اختلافات في بعض المصادر بشأن ضبط السنة الهجرية وتفاصيل الواقعة، ولذلك ينبغي التعامل مع التواريخ الدقيقة بحذر.

لكن الثابت في التسلسل التاريخي العام أنه توفي قبل المرحلة التي شهدت التوسع الكبير للمرابطين في الأندلس.

وعند وفاته، كانت الحركة قد امتلكت تنظيمًا ونفوذًا عسكريًا وسياسيًا مهمًا في الصحراء ومناطق من المغرب.

أما الدولة التي نعرفها من تاريخ مراكش والأندلس ومعركة الزلاقة، فقد واصل بناؤها قادة جاؤوا بعده.

ولهذا يوصف ابن ياسين بأنه من أبرز المؤسسين الروحيين والتنظيميين لحركة المرابطين، لا باعتباره الحاكم الذي قاد شخصيًا جميع الفتوحات المنسوبة إلى الدولة في مراحلها اللاحقة.

يوسف بن تاشفين: من الحركة الصحراوية إلى دولة المغرب والأندلس

إذا ارتبط اسم عبد الله بن ياسين ببداية الحركة، فإن اسم يوسف بن تاشفين ارتبط بتحولها إلى دولة قوية في المغرب ثم الأندلس.

فبعد وفاة ابن ياسين وتوسع دور أبي بكر بن عمر، برز يوسف بن تاشفين بوصفه قائدًا استطاع توحيد مناطق واسعة من المغرب وإدارة الدولة الناشئة.

وتطورت مدينة مراكش في عهده لتصبح مركزًا سياسيًا مهمًا للمرابطين.

وفي سنة 1086م، دخل يوسف بن تاشفين الأندلس استجابة لطلب المساعدة في مواجهة ألفونسو السادس ملك قشتالة، وقاد قوات المرابطين في معركة الزلاقة التي انتهت بانتصارهم.

وكانت هذه المعركة واحدة من أبرز الأحداث في تاريخ الأندلس خلال القرن الحادي عشر.

لكنها وقعت بعد وفاة عبد الله بن ياسين بنحو سبعة وعشرين عامًا.

وهذا الفاصل الزمني مهم؛ لأنه يساعد على فهم الأدوار دون خلط:

  • عبد الله بن ياسين: أحد المؤسسين الدينيين والتنظيميين للحركة.
  • يحيى بن عمر اللمتوني: من القادة العسكريين البارزين في مرحلة النشأة.
  • أبو بكر بن عمر: قاد الحركة وواصل توسيع نفوذها بعد وفاة أخيه.
  • يوسف بن تاشفين: رسخ قوة الدولة في المغرب، وقاد توسعها في الأندلس.

وهكذا فإن قيام دولة المرابطين لم يكن لحظة واحدة، بل مسارًا امتد عبر عقود، وساهمت فيه شخصيات متعددة.

هل أسس عبد الله بن ياسين دولة المرابطين وحده؟

الإجابة تحتاج إلى التمييز بين بداية الحركة وظهور الدولة بمؤسساتها ومجالها السياسي الواسع.

كان لابن ياسين دور تأسيسي كبير في صياغة المشروع الديني والتنظيمي الذي استند إليه المرابطون.

لكنه لم يعمل منفردًا، ولم يستطع أن يبني القوة العسكرية دون التحالف مع زعماء وقادة من صنهاجة.

كما أن الدولة التي سيطرت لاحقًا على المغرب والأندلس احتاجت إلى مراحل متتابعة من القيادة والقتال والإدارة والتوسع الاقتصادي.

فالتاريخ لا تصنعه الشخصيات المؤثرة بمعزل عن مجتمعاتها.

قد تمنح شخصية معينة حركةً ما اتجاهًا واضحًا، لكنها تحتاج إلى جماعة تلتف حولها، وقيادة تواصل العمل، وموارد تسمح للتنظيم بالاستمرار.

وهذا لا ينقص من مكانة ابن ياسين، بل يوضح طبيعة الإنجاز الذي ارتبط باسمه.

فهو لم يشهد الدولة في أكبر اتساعها، لكنه ساهم في تأسيس الحركة التي خرجت منها تلك الدولة.

ماذا بقي من دولة المرابطين؟

وصل نفوذ المرابطين في مراحل لاحقة إلى أجزاء واسعة من المغرب والأندلس، وظلت مراكش إحدى أبرز المدن المرتبطة بتاريخ دولتهم.

وقد لعبوا دورًا مهمًا في التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر.

لكن دولتهم لم تستمر إلى الأبد.

فمع ظهور حركة الموحدين وتوسعها، واجه المرابطون تحديات عسكرية وسياسية متصاعدة، وانتهى حكمهم في مراكش سنة 1147م.

وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: الحركة التي نشأت على أساس إصلاحي ديني، ثم تحولت إلى دولة واسعة، واجهت بدورها حركة إصلاحية أخرى اتخذت منها خصمًا سياسيًا وعقائديًا.

ويمكن النظر إلى هذه التجربة في سياق أوسع يتناول صعود الدول وتوسعها ثم تراجعها، كما ناقشنا في مقال لماذا تنهار الإمبراطوريات والدول الكبرى رغم قوتها وثرواتها؟.

فقيام الدول لا يضمن بقاءها، حتى عندما تبدأ على يد قادة أصحاب تأثير ديني أو سياسي كبير.

إعلان مدفوع
إعلان Colonia للعطور والعناية الشخصية

اكتشف عالم كولونيا للعطور والعناية الشخصية.

المحن والقيادة: ماذا نتعلم من قصة عبد الله بن ياسين؟

أعود هنا إلى الفكرة التي تجعلني أرى في قصة عبد الله بن ياسين ما يستحق القراءة والتأمل.

فالرجل بدأ مهمة لم تكن نتائجها واضحة أمامه. واجه معارضة، ووجد نفسه أمام مجتمع لا يتقبل جميع أفكاره، ثم استطاع أن يشارك في بناء حركة تجاوز أثرها حدود البيئة التي ظهرت فيها.

لكن الدرس لا ينبغي أن يكون مجرد الاحتفاء بالصرامة أو القدرة على فرض الإرادة.

فالقوة التي تستند إليها الحركة قد تساعدها على التوسع، لكنها قد تترك أيضًا صراعات وجراحًا، وقد تتحول المبادئ التي رفعتها إلى وسائل لتبرير سلطة جديدة.

والأهم أن نجاح القيادة لا يُقاس فقط بقدرتها على إخضاع خصومها، بل بما تبنيه من تنظيم، وما تتركه من قدرة على الاستمرار، وكيف تتعامل مع اختلاف الناس ومصالحهم.

لقد ارتبط اسم عبد الله بن ياسين بمشروع ديني وسياسي تغيّر خلال حياته، ثم اتخذ بعد وفاته أبعادًا لم يشهدها بنفسه.

ومن هنا فإن قيمته التاريخية لا تنحصر في أخبار الزهد والورع التي تنقلها بعض المصادر، ولا في المعارك التي خاضتها الحركة، بل في دوره ضمن تحول كبير من مجتمع قبلي صحراوي إلى قوة سياسية تركت أثرًا واسعًا في المغرب والأندلس.

وقد كانت تلك التجربة نتاج ظروف اجتماعية واقتصادية وعسكرية، مثلما كانت نتاج شخصيات مؤثرة.

الخلاصة: عبد الله بن ياسين بين التاريخ والذاكرة

كان عبد الله بن ياسين أحد الشخصيات الأساسية في نشأة المرابطين، وأسهم مع زعماء صنهاجة وقادتها في تحويل دعوة دينية إلى حركة منظمة ذات قوة عسكرية وسياسية.

وتظل بعض تفاصيل سيرته محل خلاف بين المؤرخين، وخصوصًا قصة رباط الجزيرة والأحداث الأولى التي أدت إلى انقسام المواقف منه بين القبائل.

لكن مكانته في تاريخ الحركة واضحة: فقد توفي نحو سنة 1059م، وواصل المرابطون بعده مسار التوسع الذي قادهم إلى بناء دولة كبيرة.

وقد جاء الدور الأبرز في تثبيت تلك الدولة وتوسيعها في المغرب والأندلس لقادة لاحقين، وعلى رأسهم أبو بكر بن عمر ويوسف بن تاشفين.

ولعل أهم ما تكشفه هذه القصة أن القيادة المؤثرة لا تنشأ في فراغ، وأن مشروعًا كبيرًا لا ينهض على إرادة شخص واحد مهما بلغت عزيمته.

فالمحن قد تكشف قدرات القيادة، لكن التاريخ تصنعه أيضًا المجتمعات والتحالفات والموارد والقرارات التي يتخذها الناس، بما تحمله من إنجازات وأخطاء.

وهكذا تبقى سيرة عبد الله بن ياسين جديرة بالدراسة، لا لأنها حكاية انتصار مثالية، بل لأنها تكشف كيف تولد الحركات الكبرى، وكيف تتغير حين تتحول من الأفكار إلى السلطة.

المصادر والمراجع

COMMENTS

الاسم

اتجاهات وأفكار,10,أحداث من التاريخ,14,أخبارعلمية,1,أسرار تاريخية,12,أعمال مترجمة,4,اقتصاد,21,اقتصاد عالمي,13,الشرق الأوسط,13,أمام العدسة,12,تاريخ,45,تحليلات إخبارية,20,ترجمات علمية,2,ثقافة وأدب,49,حكايات أدبية,4,دراسات ثقافية وأدبية,6,دراماتيك,13,روايات وكتب,19,رياضة,9,سياسة,61,سينما,16,شؤون مصرية,3,شخصيات تاريخية,7,شعر ونثر,17,علوم وتكنولوجيا,14,فلك وفضاء,14,فنون وسينما,38,قضايا معاصرة,21,كرة قدم,9,كمبيوتر وإنترنت,3,مسارات مختلفة,3,مساهمات القراء,41,مقالات وتحليلات,59,ملفات سياسية,53,
rtl
item
صفحة أخيرة: عبد الله بن ياسين: مؤسس حركة المرابطين وكيف قامت دولتهم
عبد الله بن ياسين: مؤسس حركة المرابطين وكيف قامت دولتهم
من هو عبد الله بن ياسين؟ تعرف إلى دوره في نشأة المرابطين بين قبائل صنهاجة، وقصة الرباط، وعلاقته بأبي بكر بن عمر ويوسف بن تاشفين وتاريخ وفاته.
https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgHlA7KTX8AcGv4s44giYNC09g1NIkbyxvwzdi-0juDdcohuKOLnNup1UFUacGE0QVmSYsd3uIMkGcZW9lhfQ3k9nXxrBzwMlcXdvy9haujFJTChUtas6rg7xS-deBgCpD0DLEcdDKeYRnT8t_cFDC-XLyPC2Ub4n_iRnK4IRr5bSbVXHbYWiBdeahZK38/w400-h224/abdullah-ibn-yasin-almoravid-movement-history.webp
https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgHlA7KTX8AcGv4s44giYNC09g1NIkbyxvwzdi-0juDdcohuKOLnNup1UFUacGE0QVmSYsd3uIMkGcZW9lhfQ3k9nXxrBzwMlcXdvy9haujFJTChUtas6rg7xS-deBgCpD0DLEcdDKeYRnT8t_cFDC-XLyPC2Ub4n_iRnK4IRr5bSbVXHbYWiBdeahZK38/s72-w400-c-h224/abdullah-ibn-yasin-almoravid-movement-history.webp
صفحة أخيرة
https://www.saf7a-a5era.com/2021/04/abdullah-bin-yassin.html
https://www.saf7a-a5era.com/
https://www.saf7a-a5era.com/
https://www.saf7a-a5era.com/2021/04/abdullah-bin-yassin.html
true
4387532385212111926
UTF-8
Loaded All Posts Not found any posts VIEW ALL Readmore Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS View All RECOMMENDED FOR YOU LABEL ARCHIVE SEARCH ALL POSTS Not found any post match with your request Back Home Sunday Monday Tuesday Wednesday Thursday Friday Saturday Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS PREMIUM CONTENT IS LOCKED STEP 1: Share to a social network STEP 2: Click the link on your social network Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy Table of Content