التعبّد بالمعرفة في زمن السيولة المعرفية

SHARE:

كانت النيَّة الأولى عن هذا المقال هي طرح رأي ما، ثم الاستطراد في تحليل هذا الرأي وتدعيمه بالاقتباسات والإحالات

التعبّد بالمعرفة في زمن السيولة المعرفية

(بقلم: زيتون) 

التعبّد بالمعرفة في زمن السيولة المعرفية
التعبد بالمعرفة

تمهيد

كانت النيَّة الأولى عن هذا المقال هي طرح رأي ما، ثم الاستطراد في تحليل هذا الرأي وتدعيمه بالاقتباسات والإحالات، والخروج بصورة مفادها: أنِّي أُقَدِّم هذا الرأي إليكم مدعوما باستشهادات لأعلام يُشار لهم بالبنان في موضوع كهذا..

لكن!

أنا منذ سنوات وأنا أمخر عباب معارك وصدامات عديدة، لا كمناضل أو طرف رئيس في هذه الأحداث، لكن أحيانا كثيرة كمتعلّم، مُشاهِد، متحيز، وأحيانا قليلة كمبارز.. فالتَفتَتْ النفس عن النيّة الأولى، وقررتُ أن أكتب هذا المقال بارتجال محض مصدره مَشَاهِد تلك المعارك ودروسها.

ولست أقصد هنا أنني فيما سأتكلم فيه أفضل من هؤلاء الأعلام؛ بل لأن المقال أشبه بجملة من التساؤلات المُطوّلة والبوْح المُرتبِك والزفرات المكتومة من قِدرٍ مُتقدٍ مُتهالك.. وعلى هذا فَخُذ كلماتي.

ماذا أقرأ؟!

هل سَبَق وأن طالَعْت من قبل كتابا في مجال «علم نفس البطاطا المشوية»؟ إن كانت الإجابة "لا"، فلا بأس بذلك، لكن كُن مستعدا في أية لحظة لأن تجد علما جديدا بهذا الاسم، أو مبحث فرعي في مجال «علم نفس النشويات».

لم تعد كثرة التخصصات الفرعية المزعجة عَلَما على نطاق التخصصات الأكاديمية الدراسية فقط، بل صارت طابعا سائدا في كل أرجاء الحياة الثقافية، والتي تضع القارئ أمام حيرة بالغة وتردد كبير في تحديد ما يود أن يطالعه في علم من العلوم، فقديما كان الأمر يتطلب منك مطالعة مقدمات مُبَسَّطة للعلوم، ومن ثَمَّ التَدَرُّج في مطالعة تأسيسيات هذا العلم، ومباحثه التي تكون مترابطة بشكل أو بآخر داخل دائرة العلم نفسه؛ فتجد نفسك بعد عامين أو ثلاثة أعوام قد قطعت شوطا كبيرا في تأسيس بنيان معرفي لهذا العلم داخلك.

أما الآن، فإن مباحث العلم الواحد وفروعه صارت تتناحر وتستقل عن بعضها لتصبح علوما منفردة بذاتها، وكأنِّي بـ (ما بعد حداثةٍ) معرفية تَعمدُ إلى تقسيم الكل العلمي إلى أفرع وأجزاء متناهية الصغر وتستنفر شواذه لتطفو على السطح! تماما كما يحدث مع المجتمعات الإنسانية منذ زمن.

معاناة القارئ هنا – للأسف - يتحملها وحده.

فعلى النقيض تماما، قد فتحت هذه التفرعات العلمية اللانهائية بابا واسعا للأفاقين وتجار الحبر المزيف. ولن أضرب لك مثالا بعلوم رصينة أو معقدة، بل سأشير إلى مجال ما يُسمى بالتنمية البشرية وقد تحوّل إلى توالد أفكار بين المؤلفين لا جديد فيه ولا أسس روحية أو بنيان فكري محترم، بل تراص مفضوح من كلمات تُحدِث طفراتٍ لحظية؛ تكون كمُسَكِّن لضميرك بعد دفع قيمة الكتاب الذي تقرأه.

وقد صار هذا المجال ينفي طيّبه لا خبيثه! فقد طغى الثاني على الأول واستفحل.

وانظر إن شئت في مثال ثانٍ إلى قُرَّاء الروايات. وقد صارت الكثير من دور النشر متخصصة في نشر الروايات، وصار مدار الأمر على أن من جمع عددا لا بأس به من المتابعين في صفحاته فقد صار مؤهلا لكتابة رواية حتى اختفي السمين في هذا الاتجاه تحت ظل الغث؛ لكثرته! وقد أدى ذلك الأمر إلى اندثار ما سَطَره عباقرة كِبار تحت رُكام الحبر التجاري، فقل لي بالله عليك أين تجد من يطالع أعمالا لمحمود تيمور، محمد عبدالحليم عبدالله، عباس خضر، عبدالوهاب مطاوع؟ وغيرهم ممن تسيل أقلامهم عذوبة وتنبض بالحياة، ولم يكن ذنبهم أن بعضهم قد جاء في زمن أباطرة كنجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ويحيى حقي وغيرهم!

كل هذا ليس بالأمر الهيّن على القارئ الذي يسير بنيّته الصادقة طامحا في طرق غياهب الحبر والورق.

أما إجابة سؤال «ماذا أقرأ؟» فلن تجد له إجابة مباشرة هنا - أو على الأقل حاليا - فكما يقول المتصوفة «التخلية قبل التحلية» كذلك فعليك أن تحتاط من المستنقعات العفنة التي تؤدي بك إلى صورة ممن قال عنهم "بيدرو ساليناس": الأميُّون الجُدُد؛ أولئك الحاصلون على ما يثبت قدرتهم على القراءة وأنهم متعلمون لكنهم يحومون بطنين حول منابع لا تُسمن ولا تغني من جوع، فاحذر!!

لماذا أقرأ؟!

هذا هو الجزء الأهم بالنسبة إليّ في هذا المقال.. فالإجابة عليه تُحدد لك: وسائل القراءة، طرائق نموها، وتنامي الخبرات الناتجة عنها.

تربَّيْنا قديما على مقولة لطيفة وهي أن القراءة ليست هواية بل يجب أن تكون عادة دائمة، لكن لم يتبادر إلي أذهان الكثير منا هذا السؤال: لماذا نقرأ؟ ما الغاية من كوني قارئ؟!

يُجيب الكثيرون عن هذا التساؤل بقولهم: نقرأ لنحقق المتعة باكتساب المعرفة، نقرأ لأننا نشعر باللذة أثناء القراءة! وهذا لعمري وإن كان مما يقابله كل قارئ إلا أنه اللذة والمتعة النابعة هاهنا لا أراها تختلف كثيرا - من حيث القيمة - عن اللذة التي تنبع من الجنس، فلا ينكر أحدنا أن للجنس لذة حسية ومعنوية  تهفو إليها فطرتنا!

لكني أرى أن القراءة التي تنبع من الإيمان الأكبر والمُعتقَد الأعظم وهو إدراك الهدف الأوضح من وجودنا في هذه الحياة وهي العبودية لله؛ أن نتعبّد لله بها، ونرجو بكل حرف نطالعه ثوابا من الله.

قد يخطر ببالك أنه وبالكلام عن العقيدة والإيمان أنني أقصد القراءة الشرعية وفقط! لا، أبدا - وإن كانت القراءة الشرعية هي الأصل وعليها مدار عبوديتك - فمطالعة التاريخ، الأدب، العلوم الحيوية وغيرها؛ إن ضبطت نيتك قبلها صِرت إلى ثلاث: لذة وخبرة ورجاء ثواب.

ولست أقول هذا الرأى عبثا، فأنا أنظر إلى ذلك الذي يحتسب على الله نومته كما يحتسب قومته لأنه ضبط نيته ابتداءً. وانظر إلى تعجّب أبي ذر إلى رسول الله: أيؤجر أحدنا في شهوته؟ وذلك بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم: و في مباضعتك أهلك صَدَقَة.

هذا كله مداره على النية، وانظر إلى كلام الفقهاء في حديث (إنما الأعمال بالنيات) وكيف قيل أن هذا الحديث ثلث الإسلام! فاضبط نيتك من القراءة كونك «مؤمن بالله» وضَعْ هدفا يكون ناتجه ترجو به رضا الله؛ حينئذ تكن غايتك من القراءة أعلى من كونها «متعة ولذة» حتى وإن كانت لذة معنوية.

وضبط النية هذا أجدر في زمننا، زمن السيولة المعرفية وتضخم منابع البيانات والمعلومات، فضلا عن تعاظم تفاصيل تلك البيانات والمعلومات؛ فإن اقتصرت على اللذة والمتعة وفقط، فستجدها، لكنها كغيرها من اللذات، تتجدَّد بتجدد المنابع، وهكذا من منبع إلى منبع، وتسمو بك الأحاسيس وترتقي النفس موضعا عظيما - إن تجاوزت المستنقعات السابق ذكرها بالطبع - تشعر معه وكأنك قد حيّزت لك الدنيا، ثم ماذا؟ ما المُحَصِّلة في نهاية كل ذلك مع نهاية حياتك؟

المتعة ثابتة، لكن المحصلة تتغير بتغير اتجاه النية وضوابطها في البداية.

كيف أقرأ؟!

لن تجد تحت هذا العنوان تفاصيل كثيرة سوي ترشيح واحد، لا أرى أهم منه.

يتحدث أغلب المهتمون بالقراءة والدعوة لها عن قراءة المداخل أو الخلاصات أو التدرج وكتب التعريف العامة بكل علم وفن. لكني مع تلك الفئة القليلة التي تدعو إلى ضبط اللسان والتعرّف إلى اللغة العربية قبل أي شئ، فمع ضمان اللذة والمتعة المرجوة لك كقارئ، فإنها المفتاح الأهم لك كقارئ، فاقرأ في اللغة العربية وعن اللغة العربية وفي تاريخها ومعاجمها وأدبها ونحوها وبلاغتها وصرفها، فقد عدّ الكثيرون تعلّم اللغة من الدين ومعرفتها واجب وفرض! فانتبه لذلك كله، فهي المفتاح.


اقرأ أيضا: نجيب سرور | الإمام الناطق في الكتيبة الخرساء

COMMENTS

الاسم

اتجاهات وأفكار,4,أحداث من التاريخ,2,أخبارعلمية,1,أسرار تاريخية,12,أعمال مترجمة,3,اقتصاد,3,اقتصاد عالمي,3,الشرق الأوسط,3,أمام العدسة,5,تاريخ,20,تحليلات إخبارية,14,ترجمات علمية,2,ثقافة وأدب,26,حكايات أدبية,4,دراسات ثقافية وأدبية,6,دراماتيك,8,روايات وكتب,6,رياضة,6,سياسة,30,سينما,8,شؤون مصرية,3,شخصيات تاريخية,6,شعر ونثر,10,علوم وتكنولوجيا,9,فلك وفضاء,3,فنون وسينما,20,قضايا معاصرة,13,كرة قدم,6,كمبيوتر وإنترنت,1,مسارات مختلفة,2,مساهمات القراء,13,مقالات وتحليلات,38,ملفات سياسية,30,
rtl
item
صفحة أخيرة: التعبّد بالمعرفة في زمن السيولة المعرفية
التعبّد بالمعرفة في زمن السيولة المعرفية
كانت النيَّة الأولى عن هذا المقال هي طرح رأي ما، ثم الاستطراد في تحليل هذا الرأي وتدعيمه بالاقتباسات والإحالات
https://1.bp.blogspot.com/-TyQSz1uLCfQ/YFn6R1R7iwI/AAAAAAAAFxQ/EyLTnFTpdwUZz0rovIAdOfy6HaZp7ohvwCLcBGAsYHQ/w640-h316/%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AA%25D8%25B9%25D8%25A8%25D8%25AF%2B%25D8%25A8%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2585%25D8%25B9%25D8%25B1%25D9%2581%25D8%25A9.jpeg
https://1.bp.blogspot.com/-TyQSz1uLCfQ/YFn6R1R7iwI/AAAAAAAAFxQ/EyLTnFTpdwUZz0rovIAdOfy6HaZp7ohvwCLcBGAsYHQ/s72-w640-c-h316/%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AA%25D8%25B9%25D8%25A8%25D8%25AF%2B%25D8%25A8%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2585%25D8%25B9%25D8%25B1%25D9%2581%25D8%25A9.jpeg
صفحة أخيرة
https://www.saf7a-a5era.com/2021/03/Knowledge-liquidity.html
https://www.saf7a-a5era.com/
https://www.saf7a-a5era.com/
https://www.saf7a-a5era.com/2021/03/Knowledge-liquidity.html
true
4387532385212111926
UTF-8
Loaded All Posts Not found any posts VIEW ALL Readmore Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS View All RECOMMENDED FOR YOU LABEL ARCHIVE SEARCH ALL POSTS Not found any post match with your request Back Home Sunday Monday Tuesday Wednesday Thursday Friday Saturday Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS PREMIUM CONTENT IS LOCKED STEP 1: Share to a social network STEP 2: Click the link on your social network Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy Table of Content