سيرة الشيخ عبد العزيز علي فرج، من نشأته في المنوفية ودخوله الإذاعة المصرية إلى أول تلاوة لقرآن الفجر وأبرز ملامح مدرسته في التلاوة.
بقلم: زيتون
متيّم أنا بكل شاردة وواردة تخص عمالقة دولة التلاوة المصرية، ولعل أجمل لحظات الاستماع عندي تلك التي أقع فيها على صوت عظيم لم يأخذ من الشهرة ما أخذه غيره.
ومن بين هذه الأصوات يأتي الشيخ عبد العزيز علي فرج؛ قارئ جمع بين قوة الحنجرة وخشوع الأداء، وارتبط صوته لدى أجيال من المستمعين بليالي رمضان وذاكرة الإذاعة المصرية.
لم يكن الشيخ عبد العزيز مجرد قارئ عابر في عصر مزدحم بأسماء مثل عبد الباسط عبد الصمد، ومحمود خليل الحصري، ومحمد صديق المنشاوي، ومصطفى إسماعيل. بل صنع لنفسه مدرسة مميزة، وإن بقي اسمه أقل تداولًا بين الأجيال الجديدة من أسماء بعض معاصريه.
![]() |
| أحد الأصوات المميزة في العصر الذهبي للتلاوة المصرية. |
من هو الشيخ عبد العزيز علي فرج؟
وُلد الشيخ عبد العزيز علي فرج في 22 يناير 1927 بقرية ميت الوسطى التابعة لمركز الباجور بمحافظة المنوفية.
نشأ كفيفًا، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم تعلم القراءات وأحكام التلاوة على يد الشيخ أحمد الأشموني. ولم يمنعه فقدان البصر من أن يبدأ رحلة طويلة مع القرآن انتهت به إلى واحد من أهم منابر التلاوة في مصر: الإذاعة المصرية.
انتقل بعد ذلك إلى القاهرة، وعاش في منطقة شبرا، واشتغل بقراءة القرآن في المساجد والمناسبات، كما عُرف في الوسط القرآني بعلاقته بالقراء والمبتهلين الذين كانوا يلتقون في مقهى الفقهاء بمنطقة أبو العلا.
كان صوت الشيخ جهوريًا وقويًا، وهذا تحديدًا أكثر ما يشدني في تسجيلاته القديمة. ففي بعض التسجيلات تشعر أن الصوت يملأ المكان دون حاجة إلى استعراض أو مبالغة، مع وضوح في الحروف وقدرة على حمل المعنى من آية إلى أخرى.
عبد العزيز علي فرج والإذاعة المصرية
جاءت المحطة الأهم في مسيرته سنة 1962، عندما تقدم لاختبارات الإذاعة المصرية.
تذكر المصادر التي وثقت سيرته أن عدد المتقدمين في ذلك الاختبار بلغ نحو 170 قارئًا، ولم يُقبل منهم سوى أربعة، وكان الشيخ عبد العزيز علي فرج واحدًا منهم.
الدخول إلى الإذاعة في ذلك الزمن لم يكن مجرد خطوة مهنية؛ فقد كانت الإذاعة هي الباب الذي يصل من خلاله صوت القارئ إلى ملايين المستمعين داخل مصر وخارجها، في عصر أصبحت فيه التلاوة المصرية جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية والطقوس الرمضانية.
ومن هنا بدأ اسم عبد العزيز علي فرج يحجز موقعه وسط جيل يصعب أصلًا العثور فيه على مساحة منفردة، لكثرة ما ضمه من أصوات أصبحت لاحقًا علامات في تاريخ التلاوة.
صاحب أول تلاوة لقرآن الفجر عبر الإذاعة
ترتبط باسم الشيخ عبد العزيز علي فرج كذلك محطة تاريخية مهمة في ذاكرة الإذاعة المصرية.
فبحسب ما وثقته بوابة الأهرام وعدد من المصادر الصحفية المصرية، كان الشيخ صاحب التلاوة في أول صلاة فجر تنقلها الإذاعة المصرية من مسجد الإمام الحسين بالقاهرة.
وقد تبدو الجملة اليوم مجرد معلومة في سيرة قارئ، لكنها تحمل معنى أكبر عندما نتذكر المكان الذي احتله «قرآن الفجر» لاحقًا في الوجدان المصري؛ ذلك الصوت الذي يسبق الصلاة في الساعات الأولى من اليوم، ويرتبط عند ملايين الناس بذكريات البيوت القديمة ورمضان وصباحات القاهرة.
وهكذا أصبح لعبد العزيز علي فرج موقع خاص في تاريخ هذا التقليد الإذاعي، حتى لو لم يحظ اسمه لاحقًا بنفس الانتشار الشعبي لبعض كبار قراء عصره.
قيثارة التلاوة الرمضانية
لم أختر وصف «قيثارة التلاوة الرمضانية» من فراغ.
فمن يستمع إلى تسجيلات الشيخ سيلاحظ أن صوته لا يعتمد فقط على القوة، بل على المرونة أيضًا؛ يرتفع دون صخب، ويهبط دون أن يفقد حضوره، ويترك للحروف مساحة كي تُسمع بوضوح.
وفي عصر الستينيات والسبعينيات ارتبطت أصوات كبار القراء بليالي رمضان والمناسبات الدينية، وكان عبد العزيز علي فرج واحدًا من الأصوات التي شاركت في صناعة تلك الذاكرة السمعية.
كما لم تقتصر تجربته على التلاوة وحدها؛ فقد عُرف أيضًا قارئًا ومبتهلًا، وإن كانت تلاوات القرآن هي الجزء الأكثر حضورًا من تراثه المسجل.
وإذا كنت من هواة المدرسة المصرية القديمة، فستجد في تسجيلاته شيئًا يختلف عن كثير من الأصوات الأكثر شهرة: حضورًا قويًا دون افتعال، ونبرة يصعب أن تخلط بينها وبين قارئ آخر.
هل كان الشيخ عبد العزيز علي فرج يتقاضى أجرًا على التلاوة؟
من القصص التي تكررت في سيرته الحديث عن زهده في المال، لكن الأدق ألا نقول إنه لم يكن يتقاضى أجرًا مطلقًا.
فالمصادر التي تناولت حياته تشير إلى أن قراءة القرآن كانت موردًا من موارد رزقه، لكنه عُرف بأنه لا يطلب أجرًا محددًا مقابل القراءة، وأن نظرته إلى التلاوة كانت أبعد من تحويلها إلى وسيلة للتربح.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن الصورة الأكثر دقة أجمل من المبالغة. فالزهد لا يحتاج إلى صناعة أسطورة حول الرجل، وسيرته نفسها تحمل ما يكفي من التواضع والبساطة.
لماذا لم ينل شهرة عبد الباسط والمنشاوي؟
هذا سؤال يخطر لي كلما عدت إلى تسجيلات عبد العزيز علي فرج.
لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن ظهوره جاء وسط جيل استثنائي بصورة ربما لم تتكرر. فعندما يكون المشهد نفسه يضم عبد الباسط عبد الصمد، والمنشاوي، والحصري، ومصطفى إسماعيل، وأبا العينين شعيشع وغيرهم، يصبح الحصول على المساحة نفسها في ذاكرة الجمهور أمرًا شديد الصعوبة.
ولا تعني الشهرة الأقل قيمة فنية أقل.
بعض الأصوات تعيش في الذاكرة الجماعية، وأخرى تنتظر المستمع الفضولي الذي يعود بعد عشرات السنين إلى الأرشيف ثم يسأل نفسه: كيف لم أسمع هذا القارئ من قبل؟
وعبد العزيز علي فرج، بالنسبة لي، من النوع الثاني.
يمكنك أن تبدأ بالتعرف إلى صوته من تسجيلاته لسور الحجر والمائدة والأنبياء والقصار، ثم تترك أذنك تحكم بعيدًا عن شهرة الأسماء والألقاب.
وإذا كنت مهتمًا بسير الشخصيات التي صنعت أثرًا أكبر من شهرتها، يمكنك قراءة قصة عبد الرحمن السميط ورحلته الإنسانية، وكذلك قصة عبد الله بن ياسين وقيام دولة المرابطين.
وفاة الشيخ عبد العزيز علي فرج
لم تطل رحلة الشيخ كثيرًا.
توفي عبد العزيز علي فرج في 17 مارس 1977 عن عمر بلغ 50 عامًا، بعد معاناة مع مرض السكري.
خمسون عامًا فقط، لكنها كانت كافية ليترك وراءه تسجيلات ما زالت حاضرة، وليدخل تاريخ الإذاعة المصرية من باب مبكر ومميز ارتبط بقرآن الفجر.
وربما يكون أجمل ما يمكن أن يحدث لتراث قارئ بعد رحيله بعقود أن يكتشفه مستمع جديد للمرة الأولى؛ يضغط على تسجيل قديم، ثم يتوقف بعد آيات قليلة ليتساءل عن صاحب ذلك الصوت.
وهنا يعود عبد العزيز علي فرج من جديد.
رحم الله الشيخ، وأبقى من صوته ما يذكّر الناس بجمال المدرسة المصرية في تلاوة القرآن.

COMMENTS